العودة     صورة مكة المكرمة في شعر حسن القرشي

عدد الضغطات : 15,481مساحة شاغرة
عدد الضغطات : 8,399مساحة شاغرة
عدد الضغطات : 10,404عدد الضغطات : 5,073
عدد الضغطات : 7,805مساحة شاغرة
عدد الضغطات : 5,112

صورة مكة المكرمة في شعر حسن القرشي


إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 16 Jun 2008, 06:03 PM   #1
خالد غير متواجد حالياً
أصدقاء المنتدى

الصورة الرمزية خالد

رقم العضويـــة: 168
تاريخ التسجيل: 07 03 2003
الجــنــــــــس:
ذكر
مكان الإقــامة: مكة المكرمة
المشاركــــات: 5,688
قوة التقييــــم: 26 نقطة
خالد will become famous soon enoughخالد will become famous soon enough
نقاط التقييــم: 133
آخر تواجــــــد: 27 Mar 2020 (10:22 PM)
الأوسمة
وسام التميز وسام التميز 
المشاهدات: 4017 | التعليقات: 23

صورة مكة المكرمة في شعر حسن القرشي


يعد الشاعر السعودي حسن عبدالله القرشي علامة شعرية بارزة في مسيرة الشعر السعودي الممتدة نضجاً، منذ سبعينيات القرن الماضي، وحتى الآن. وقد لا أكون مبالغاً إذا قلت إن المشهد الشعري العربي بعامة يعرف قيمة شعره، من خلال من عرف من النقاد العرب الكبار سبيلاً لنقده وإلقاء الضوء على شعره . وكان على رأس هؤلاء طه حسين الذي كتب له مقدمة ديوانه الثالث "الأمس الضائع".
ورغم امتداد الفترة الزمنية التي عاشها القرشي. فإن شعره يشهد على مستوى "الشعرية" تجديداً في شكله ومضمونه، وتشربه من مذاهب شتى، وإن كان النمط الرومانسي يسري في مسارب شعره تعبيراً وتصويراً، حتى في شعره القومي، وربما اتضح ذلك من رؤيته للشعر بأنه "هذه الموجة من الإحساس تلف رؤوس وقلوب فئة مرهفة الشعور، فتعبر عنها بكلمات منغومة الجرس، مهموسة الصدى، فائرة النبض ..! هل انتهت حاجة الحياة إليها فلم تعد ذات تأثير في كيان الأحياء من البشر، ولم تبق عاملاً مؤثراً يبعث في نفوسهم انطباعات يسر بعضها ويبهج، ويحزن بعضها ويوئس. هل عاد الشعر ترفاً يستغني عنه الناس ولا يفتقدونه؟ يجانب الحقيقة من يؤازر هذا الرأي ويوغل في متاهات المغالطة".
إن الإعلاء من قيمة الشعور جَلِيٌ في مفهوم الشعر عند القرشي، من حيث هو جرس منغوم في لفظ هامس ونبض فائر؛ جعلوه صنواً للحياة بحلوها ومرها، حتى إنه ليستنكر أن يعد الشعر على هذا النحو ترفاً. وهو كغيره من الرومانسيين الذين عايشهم وصارت بينه وبينهم صداقات وهموم مشتركة؛ لا يقلل من قيمة الفكر معلياً من الشعور، بل هو أيضاً القائل: "والشعر ـ في رأيي ـ هو ذروة المتاع العقلي، في أسمى درجات النقاء والصفاء!. إنه خلاصة الشعور الإنساني، وجوهر الفكر البشري، ونتاج التجارب النفسية العميقة الصادقة!".
ولم يتخلَّ هذا المنزع الرومانسي عن الخطاب الديني، الذي نحن بصدد معرفة كنهه وهويته، من خلال صورة مكة المكرمة، في شعره ذي الطابع الوجداني تعبيراً وتصويراً وإيقاعاً. نحن لا نريد أن نلعب دور المصنفين للرجل في حيز الرومانسية عنوةً، وإنما نتاجه الشعري وما ستنطق به نصوصه هو الذي يمكن أن يقر أو لا يقر هذا التصور، وبخاصة النصوص محل دراسة هذا البحث.
وقد يظلم شاعرية الرجل وشعرية نصوصه هنا؛ أننا نتناول جزءاً من نتاجه يمثل فترة زمنية، قد لا تعبر عن طبيعة شاعريته وشعرية نصوصه من حيث القيمة، وبخاصة قصائده العمودية التي تجلى فيها الخطاب الديني من خلال صورة مكة في شعره، ذلك الذي يمكن أن يستبين من خلاله الملمح الرومانسي الذي يدخل نسيجاً في بنية ولُحمة هذا الخطاب الديني.
عموماً يمكن أن نسارع بإعلان أن ما سنتناوله هناـ رغم ما ينطق به من شعرية ألفها ذوق الجيل السابق وتربى عليهاـ لا يمثل أجود شعر الرجل، حيث إن دواوينه التالية حفلت بتطوير أدواته ورؤاه. وقد جاء الخطاب الديني في شعره الذي يمثل هنا صورة مكة المكان والمكانة متفاوتاً بين خيال قريب المأتى في معظمه، وصور فيها بعض من إعمال الفكر الذي لا يصل إلى مرتبة الغموض الشفيف؛ ارتقاءً إلى حداثة التكوين وبراعة الخلق في الوقت نفسه، كما هي الحال عند متقدمي الرومانسيين كمحمود حسن إسماعيل مثلاً.
ولكن من الحق أن نذكر أن القرشي في المشهد التاريخي للشعر السعودي الحديث، ثم المعاصر؛ قد خلّص الخطاب الديني داخل منظومة الخطاب الشعري، من رطانات الوعظ المباشر، الذي يخنق الشعرية الوليدة فيه في مهدها. بل إنه واحد من الذين سموا كحمزة شحاتة وفقي وطاهر زمخشري وحسين عرب؛ بهذا الخطاب، وأحسب أنه قد تميز من بينهم بأن جعل جيلاً من أبناء الوطن العربي ـ وكاتب هذا البحث واحد منهم ـ يعشق الخطاب الديني من خلال شعريته الرهيفة ذات الرقة الرومانسية تصويراً، مجنداً كل طاقات ووسائل تشكيل الصورة من تجسيد وتشخيص وتناص قرآني...، لتستوعب رؤاه التي استلهمت، بفضل دراسته وتخصصه في التاريخ، أروع صفحاته شعريَّةً.

يقول القرشي في قصيدة "مكة" :

تفتَّقّ عن راحتَيْها الصبـــاحُ = وَشعْشَعَ في شفتيها القَمـَرْ
وأزهتْ بها الشمسُ فوقَ البطاحِ = وجُنَّ بها الليلُ حلوَ الصورْ
عذيريَ هل يبلُغنَّ النشيدُ = رؤى (مكَّةٍ)، أو تحيطُ الفِكَرْ
إن المتلقي للأبيات السابقة تقع في وجدانه الديني رهافة موحية ؛ تربط بين بقعة مقدسة ومعشوقة، يتغزل الشاعر في جمالها؛ في استجلاء رومانسي رهيف لروعتها. إن تجليات المكان في خصوصية من التصوير؛ يرسم الشاعر قسماتها من خلال رؤية شاعر مكِّيِّ مولداً ونشأةً. لتصير معشوقته مصدراً لجمال الطبيعة في أبهى صورها.
إن الشاعر في رؤية يحدوها حذرٌ حيال قداسة المكان، ورهافة الرؤية؛ يقف بنا أمام قسمات وجه مكة المكانة والمكان ، مبتعداً ـ في رهافة ـ عن حدَّة حسية الوصف، إلى براعة وخصوصية فيه ؛ لا تتجلى إلا لوجه مكة، من خلال نورها الأعظم الذي بدد ظلام البشرية. فالصباح يتفتق عن (راحتيها)؛ لتوقفنا هذه المفردة مع القرشي في حيز الاستلهام الرومانسي للتراث. إن الراح ظلت عبر تعبير كنائي رمزي في التصوير الشعري القديم تشير إلى الكرم، وبذلك يغدو الصباح الذي هو من أحفل صور الطبيعة زمناً ونبوءةَ ابتهاجٍ، عطاءً وجوداً مصدره مكة، تقدمه في سرمديةٍ، ما بقي صباح، بل وما بقيت حياة؛ بما قد يجليه الفعل الماضي (تفتق) في حركية تعلن عن حالة مخاضٍ ليوم جديد وأمل جديد. وليس غريباً بعد ذلك أن تتعاقب الظواهر الزمنية والفلكية من مكة مصدراً للنور الإلهي.
وإذا كان الشعراء ـ والرومانسيون منهم بخاصة ـ قد تغنوا بشفاه من أحبوا لَعَساً وغُنْجاً. فإن شفاه مكة يشعشع فيها نور القمر. وفي تصوير نوراني أقوى يجعل القرشي ـ في تشبيه مقلوب ـ الشمس لا يزهو ضوؤها فوق البطاح الطاهرة إلا بها. وفي استقصاء أجمل في التصوير؛ يشخص القرشي الليل مجنوناً هائماً بها، يتجمل لها حلو الصور؛ فتغدو مكة وفق ظاهرتي تعاقب الليل والنهار ـ زماناً ومكاناً ـ مصدراً لحيوات متجددة. ومن ثم ليس غريباً أن تجلي عبقريتها مكاناً وزماناً، رؤًى, وأن يحيط بسحر هذه العبقرية الخالدة فكرٌ. حتى ولو كانت لشاعر مثله؛ كما أبان استفهام الشاعر الإنكاري التعجبي لعذيره في حبها.

ثم ينتقل الشاعر في قصيدته من مكة المكان والمكانة، إلى مكة البشر الذين شاركوا في تعميق الحس التاريخي بعبقرية المكان. حيث يقول:

أسودٌ غطاريفُها المُعْلَمَوْنَ = ميــأمين عقيلُ في كـلِّ نادٍ شَهِرْ
تَدينُ لهم يعربٌ من قديمٍ = بصدق السَّمَاح وزاكي السِّيَرْ
وفيها انجلى الحقُّ للعالمين = وفــاضَ الضياءُ بها وانتشرْ
بها كعبةُ اللهِ طـافتْ بها = قـلوبٌ تحـنُّ وأزهتْ عُصُرْ
من الجلي أن تلكم الأبيات تمثل ـ مقارنة بسابقتها تصويراً وشعوراً ـ مفارقة جمالية، من حيث الأسلوب واللغة. فعلى حين رقت ألفاظه رهيفةً هناك؛ خشنت هنا قاموسية البنية معنىً ؛من نحو (غطاريفها ـ المعلمون ـ ميأمين عقيل ـ شهر ـ يعرب). ومن حيث الأسلوب؛ فقد جاء فاتراً تقريرياً مباشراً يقدم المعلومة التاريخية في مدرسية. حتى ما جاء مظنة التصوير المجازي ـ كما في البيتين الآخرين ـ كان تكراراً باهتاً لما صوره رائعاً في الأبيات السابقة حول قضية نورانية مكة. إن هذه الأبيات تقف سقطة على هامش التصوير الخلاق، ومطباً من مطبات المباشرة المفرغة من أية قيمة جمالية؛ يمكن أن يجليها الخطاب الديني في وجهه الشعري المشرق، بعيداً عن المباشرة والمدرسية.
ولكن الشاعر سرعان ما تفيق حاسته الشعرية -وإن ظل في حيز الصور قريبة المأتى- وهو يخاطب (جبل النور) بقوله:

أيا (جبل النور) كم ذا شهدتَ = من المعجزات وكَمْ ذا ظَهَرْ؟
تحدَّثْ ففي (الغارِ) شعَّ اليقينُ = وقد تُنْطِقُ الذكرياتِ الحَجَرْ
أيا قمةً فوقَ هام الخـــلودِ = سَمَتْ بَسَنَاها الشَّذيِّ العَطِرْ
إذا ما ارتقيـتُ إليكَ انطوى = بحسِّي الزمانُ وكَلَّ البَصـَرْ
وخفَّفْــتُ وطئيَ أنْ يستقرَّ = أمَا سارَ فيكَ (نبيُّ) البَشَـر؟
إن اللغة المنتقاة ألفاظاً روحية موحية، وربما الإلمام بشيء من التناص، إلى جانب إيقاع المتقارب؛ تقف بديلاً جمالياً مقنعاً لذوق القارئ هنا،؛ عن بكارة التصوير في هذه الأبيات. يعلن عن ذلك البيت الأول الذي يخاطب فيه الشاعر (جبل النور) في صورة تشخيصية من خلال أداة النداء (هيا) التي هي لنداء البعيد. والبعد هنا يتسق مع معاني السمو والبعد مكانةً يستشرف علياءها نوراً.
وبتشخيص الشاعر للجبل على هذا النحو، يجعل من مسمى (جبل النور) وفق هذا التركيب الإضافي المتمثل في إضافة المشبه إلى المشبه به، بنيةً لغويةً تتجاوز مجرد التسمية تعريفاً، إلى زخم من الإيحاء الذي نتلمسه من البنية العميقة، حيث يصير الجبل بوصفه مضافاً جزءاً من المضاف إليه (النور) يكتسب منه خصوصية هذا النور الأعظم، الشاهد والناطق بالمعجزات التي أفاضها على الدنيا نورُ مَنْ سكنه صلى الله عليه وسلم، "ولهذا فإن الروح التي يحتضنها جبل النور هي روح دينية ذات إشعاع، وكأنما تستمد من اسمه مظاهر الضياء التي تسري في الآفاق تطرد الظلمة وتحتل بالنور القلوب والأمكنة".
وتقف (كم الخبرية) التي تدل على الكثرة معمقةً الإحساس بقيمة ما كثر من المعجزات في ظل جبل النور، وربما يزكي هذا الإحساس ما كرَّسه الجناس تكراراً بين (كم) الدالة على كثرة المعجزات، و(كم) التي تضمنت هذه الكثرة؛ في صورة سؤال الشاعر عن عددها وكنهها الذي لا يحصيه عد (وكم ذا ظهر؟).
ومع البيت التالي يربط الشاعر ـ من خلال إثارته للجبل وإغرائه بالحديث ـ بين النور واليقين؛ مع صورة تجسيـدية ناطقة في قوله (شع اليقين). فإذا كان جبل النور هو مصدر النور المحمدي، فإن غار حراء هو الذي منح هذا النور شرعية البقاء، وخصوصية الخلود، حين أقره يقيناً فطرياً. وهنا حُقَّ للغار أن يتحدث للناس شاهداً وشهيداً. فإن ما يحمله في ضميره من الذكريات تُنطِق الحجر. إن د. جريدي المنصوري في ملمح تاريخي يحدثنا عن خصوصية حراء وثور وجبل النور روحانيةً، في مقابل غيرها من جبال مكة قائلاً: "أما جبال مكة: ثبير وجبل النور وجبل ثور؛ فإن تاريخها القديم المرتبط بالشموخ والكبرياء والصمود قد تأثر بالدين الجديد، كانت العرب تردد (أشرق ثبير كيما نغير) فالإغارة غارت حين منح غار حراء، وغار ثور للمجتمع ثقافة جعلتهما في منزلة روحية تتقدم على جبل ثبير".
إن هذا الانتقال الروحي بالجبل والغار من حيز الجماد إلى حيز الرمزي والمقدس والمستشرف علواً؛ هو ما جعل الشاعر في استشراف أقرب إلى الروح الصوفي يجعل الجبل قمةً فيها تفرد عن كل القمم. إنها قمة ـ في تصوير تجسيـدي للمجرد ـ فوق هام الخلود. ولكي يقر القرشي تصويراً هذا التفرد وتلك الخصوصية، سمواً إليها؛ لجأ إلى ظاهرة حداثية أكثر منها الرومانسيون والرمزيون. وهي ظاهرة (تراسل مدركات الحواس). حيث جعل سنا النور ـ إيغالاً في معنى الخلود السرمدي ـ يُشَم شذًى عَطِراً، رغم أن النور يُرى ولا يشم. وذلك لإقرار أن هذا النور تستقبله أكثر من حاسةٍ، مدركةً سر بقائه مسيطراً على الحواس والجوارح.


يتبع...
________________________________________

لا تلتفت ••
واصنع لرحلتكَ الأليمةِ مركباً •• من حسنِ ظنّكَ بالسماء

حسابي الوحيد في تويتر
 
     
رد مع اقتباس
قديم 16 Jun 2008, 06:11 PM   #2
خالد غير متواجد حالياً
أصدقاء المنتدى

الصورة الرمزية خالد

رقم العضويـــة: 168
تاريخ التسجيل: 07 03 2003
الجــنــــــــس:
ذكر
مكان الإقــامة: مكة المكرمة
المشاركــــات: 5,688
قوة التقييــــم: 26 نقطة
خالد will become famous soon enoughخالد will become famous soon enough
نقاط التقييــم: 133
آخر تواجــــــد: 27 Mar 2020 (10:22 PM)
الأوسمة
وسام التميز وسام التميز 

(2)


ولا يني القرشي في أن يكرس تلك المعاني الروحانية التي خلعها على الجبل؛ بما يسمو به عن التشيوء جماداً، متخذاً سبيلاً آخر لتشكيل صوره؛ إنه التشكيل بالزمن على نحو عرفاني استعلائي. إن الزمن يفقد زمنيته الدنيوية المادية المقيسة بالدقائق والساعات، حين يرتفع بروحه إلى جبل النور بوصفه قمة فوق هام الزمن/ الخلود حيث الحضرة الإلهية. إنه يغيب ـ في معنى أقرب إلى التصوّف ـ بحسه عن الوجود العيني. حتى إن بصره يفقد قدرته على أن يتحمل قوة نور الجبل. بما يسمو به أن يكون مجرد ذكرى تاريخية أو مزاراً للمسلمين. كما أنه يسمو عن أن يكون رمزاً مادياً. إنه نور حقيقي رباني لا قِبَلَ للخلق وعالم الخلق به. إنه نور من عالم الشهادة. الذي أُسْرِيَ بالنور الأعظم محمد عليه الصلاة والسلام بينهما.
وهنا قد يحق لنا أن نوافق د. المنصوري الذي يرى: "أن الصفات العاطفية للجبل في الدين الإسلامي تناهض معنى الجماد المطلق على مستوى البنية العميقة لحقيقة الوجود والدعوة، في حين يبقى المستوى المسطح الذي يتعاطى معه البشر وفق منطق البحث عن الدليل الواضح والشاهد الحاضر يزكي حقيقة الغيب وتحكم قوى العالم الآخر فيه، ولهذا جاءت قيمة (بوادٍ غير زرع)، والجبال التي لا نبات ولا شجر فيها كأدلة وشواهد تحكم طبيعة العقل البشري في مرحلة نشأة الدعوة، ولكل زمان آياته وعلاماته".
ويأتي التناص سبيلاً آخر يعيد من خلاله القرشي إنتاج دلالة ما يريده نصه، من حيث إبرازه لعبقرية جبل النور وغار حراء مكانين يكتسبان هذه العبقرية المكانية، من عبقرية مَنْ مشى وتعبد فيهما. إن البيت الأخير يستدعي على نحو من الأنحاء قول أبي العلاء المعري:

خــفِّفِ الـوطءَ ما أظن أديم الأرض = إلا مــن هــذه الأجســادِ
سر إن اسْطَعْتَ في الهواء رويداً = لا اختيالاً على رُفات العبادِ
إن أبا العلاء من منطلق رؤية وجودية تحمل قدراً من العاطفة لمن مات من الجدود، وما تخلف عن أجسادهم من تراب أقام أديم الأرض؛ يطلب منّا ألا ندوس هذه الأرض إلا برفق؛ بل ألا ندوسها مطلقاً، فيكون الهواء موطئنا إن استطعنا إلى ذلك سبيلاً. لأن في سيره على الأرض اختيالاً على رفات عباد الله، الذين سنصير إلى ما صاروا إليه.
ويتلقف القرشي رؤية فيلسوف المعرة، وينقلها من حيز سعة المكان الوجودي الفسيح (مطلق الأرض)، والرؤية المتشائمة ـ عبر تناص يعيد إنتاجها ـ ؛ إلى ضيق المكان الذي اتسع بقاصده (جبل النور وغار حراء). إن تخفيف الوطء عند المعري يتم من قبيل رؤية فلسفية متشائمة تجاه البشر الأحياء المتكبرين على الأموات. بينما تخفيفه عند القرشي يكتسب رؤية دينية قدسية يجللها الحياء. فهو يخفف وطأه أن يستقر في مكان خص الله نبيه وحده بهذا الاستقرار النوراني فيه. بل إنه جعل سبيله إلى هذا الحياء استنكاراً وتعجباً، من خلال استفهامه قائلاً (أما سار فيك نبي البشر؟). إنه يستنكر حياء وخجلاً أن تثبت قدمه في موطئ خُصَّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم. اللهم إلا من ممشًى خفيف يلتمس فيه فيضاً من قداسة أرض وطئها بقدميه الشريفتين. إن وطء القرشي المتناص مع المعري يختلف من هذه الوجهة المكانية قداسةً/ شرفاً/ خصوصيةً للجد الأشرف، من قبل عاد؛ إنه محمد صلى الله عليه وسلم.
ولكي يقر القرشي في نفسه ونفس متلقي شعره هذه الخصوصية للجبل والغار ارتباطاً بالنبي نورانيةً وأمناً، نراه يسوق أدلة تصوغها اللغة والصورة. فما أكثر تعبده ثابت الجنان يزين محياه أثر نور الوحي. وعبر تشبيه تجسيـدي نوراني؛ جعله يطل على الكائنات إطلالةً سرمدية النور والحياة المتجددة. إنها إطلالة فجر نور الرسالة بعد شدة ظلام من الجهالة. فبعد السَّحَر لا بد أن ينبلج الفجر. والفجر هو محمد صلى الله عليه وسلم مُحمَّل بنور خالد وقرآن هادٍ. وهنا تستوقفنا صياغة الصورة على نحو بارع. فإذا كان الضياء في بردتيه وقد أطل على الدنيا كالفجر، فإن نبينا - في تصوير كنائي- سيكون هو الضياء والنور المحمدي، وهو القرآن عذب السور؛ يمشي على الأرض نبعاً لهذا النور، على اعتبار أن البردة تكون بلابسها.
ويختم القرشي قصيدته بنداء مكة نداء القريب عبر الهمزة. والقرب هنا لمكة قرب المكانة لعبقرية المكان الذي ضم مواضع انطلاق الحنين جامحاً يأخذ على المشاعر كل سبيل. إنها مكة الغارين، ثور وحراء، ومكة جبل النور، ومكة الكعبة.
لقد كان إيقاع المتقارب هنا أقرب رحمى بالنشيد والإنشاد. فعلى الرغم من كثرة أدوات النداء والطلب التي قد تنزلق ببعض الشعراء- لو لم يوظفوها فنياً- إلى خطابية ومباشرة، فإن الشاعر قد خفف من مظنة ذلك بإكثاره من الأصوات المهموسة في مقابل المجهورة، فخفتت أو كادت حدة الخطابية، لإقرار الخطاب الديني الذي تسري في نسغه رومانسية شفيفة.
ثمَّة ملمح بارز في الخطاب الديني الذي اشتملت عليه شاعرية القرشي؛ انعكس على شعرية قصيده في تجلية لعبقرية مكة مكاناً، وهو تأكيده -بقصد أو بدون قصد - على أن عبقرية المكان في ذلك الوادي غير ذي الزرع؛ إنما تضرب بسبب مباشر إلى عبقرية مَنْ وطئه. وأقصد رسولنا محمداً صلى الله عليه وسلم. فمطالع قصائده التي تنحو منحًى دينياً تكاد تؤكد هذه الحقيقة، فهو القائل في مطلع قصيدة "موكب النور":

زهـا عيده تهفو إليه ضلوعُ = وتزهرُ أكــوانٌ به وربُوعُ!
بمولد خير الخلق زُفَّت بشائرٌ = وتَاهَتْ به في المروتينِ جُمُوْعُ
إن المروتين (الصفا والمروة) لَيتيهان مكاناً، يكتسب قداسة أكثر من قداستهما الراسخة بمولد خير الخلق استبشاراً، ينسحب على ساكني المروتين أيضاً. وربما تؤكد رؤية القرشي الشاعر رؤية د. منصور الحازمي الناقد، التي سقناها في بحث سابق، حين يقول الأخير: "أما (مكة المكرمة) فلا تعني هنا سوى المكان الذي يجمع إلى قدسيته البيئة والموقع والسكان باعتبارها مهاداً طبيعياً للفكر والأدب".
ويمكن أن يتجلى هذا الملمح المهم في حيز عبقرية المكان بين مكة محمد ومحمد مكة، من خلال قصائد تاريخية ملحمية طويلة كقصيدة "في مولد الرسول الأعظم"، ثم قصيدة "في ظلال الغار"، أو من خلال قصائد قصيرة نسبياً؛ كقصيدة "من وحي الكعبة".


يتبع...
  رد مع اقتباس
قديم 16 Jun 2008, 06:21 PM   #3
خالد غير متواجد حالياً
أصدقاء المنتدى

الصورة الرمزية خالد

رقم العضويـــة: 168
تاريخ التسجيل: 07 03 2003
الجــنــــــــس:
ذكر
مكان الإقــامة: مكة المكرمة
المشاركــــات: 5,688
قوة التقييــــم: 26 نقطة
خالد will become famous soon enoughخالد will become famous soon enough
نقاط التقييــم: 133
آخر تواجــــــد: 27 Mar 2020 (10:22 PM)
الأوسمة
وسام التميز وسام التميز 

(3)


يقول القرشي في واحد من مقاطع قصيدته "في مولد الرسول الأعظم" :

هللي يا بطاح (مكة) لليمــ = نِ وتيهي على البلاد وسودي
واشْرَعِي باليتيم رايةَ مَجْــدٍ = هي عند الفخار أعلى الـبُنُودِ
كم على مهده النضير تدانى الـ = بِشْرُ تحدوه زاهياتُ الـورودِ
أيُّ مَهْدٍ من العبيرِ نـــديٍّ = ضمَّ دُنْيا من السَّنَا والسُعُودِ؟
يبدأ القرشي المقطع بفعل أمر يعكس إيحاء بالفرحة بقوله متوجهاً لمكان شرف بمولد النبي ورسالته: "هللي يا بطاح مكة"، ليأتي اليمن بهذا المولد داعياً مقبولاً لأن تتيه أم القرى على البلاد وتسود. ثم يرتقي الشاعر في البيت التالي بأسباب ومظاهر التيه والسيادة، حين يحيل طلبه لمكة أن تُخْتَزَلَ مكاناً في صورة (راية مجد) مشرعة في فخار يميزها عن سائر البنود. وما ذلك الفخار والشرف إلا تكريم لها من الله؛ لأنها ضمت على أرضها أشرف يتيم هو محمد صلى الله عليه وسلم. لتغدو مكة هنا على نحو ما ـ وفق خطاب مضمر ـ أمًّا حاضنة لهذا اليتيم الذي فقد أباه وأمه. إن مكة باليتيم تسمو أن تكون فقط أرضاً بطحاء، إلى حيث السمو الروحي بها بنداً يصير رمزاً للفخر.
ولا يتخلى الروح الرومانسي عن الخطاب الديني عند القرشي في البيتين الأخيرين، وهو يصف مهد المصطفى في رحاب مكة الجلال والجمال. إن المهد يغدو في صورة أولى يشكلها التشخيص مهداً نضيراً يكتسب نضارته مكاناً ممن رقد فيه طفلاً عبقرياً في مكان عبقري، يتدانى إليه فيه ـ في صورة تشخيصية مركبة على نحو رومانسي شفيف ـ البشر، تحدو موكبه زاهيات الورود. وتأتي الصورة الأخرى للمهد الشريف لتتشكل داخل استفهام يتجاوز التعجب إلى الإعجاب والانبهار، ليلعب التشكيل بتراسل الحواس دوراً في تخليق شعرية وشاعرية المكان. إن المهد المنظور بحاسة النظر نوراً ؛ يغدو مهداً مشموماً من العبير كأفوح ما يكون العبير شذًى، ثم يغدو ملموساً مرئياً في صورة ندًى كأرق ما يكون اللمس وقعاً، وهنا يراسل القرشي بين ما تدركه حواس ثلاث؛ البصر والشم واللمس؛ بما قد يعمق الإيحاء بعبقرية المهد مكاناً يثير خلجات الطبيعة التي شخَّصّها الشاعرُ ناطقةً. لذلك "كان من الطبيعي أن يستعير الشاعر من مجال إحدى الحواس ما يخلعه على معطيات حاسة أخرى، إذا كان في هذه الاستعارة ما يعين على الإيحاء بما يستعصي على التعبير الدلالي من دقائق النفس وأسرارها الكامنة، فالنفس الإنسانية في جوهرها وحدة ترتد إليها وسائل الإدراك على تعددها".
إنّ المكان هنا، على ضيقه المنطقي المتصوَّر في مهدٍ، هو سرير لطفلٍ، ليَتّسِع به التصوير بعظمة الطفل اليتيم، ويكون دنيا ـ جعلها الشاعر في صورة تجسيـدية لما هو تجريدي ـ من السنا المحمديّ والسّعود به هادياً ومبشراً. ولعل في انتقال شاعر كالقرشي في حيّز المكان المقدس، مكة، وما تستوعبه بين بطاحٍ وبندٍ، ومهدٍ ودنيا، فيما يتراوح بين السعة والضيق؛ ما يجعلنا نستوعب على نحو من الأنحاء رؤية د. المنصوري، حيث لاحظ أنّ "في قصائد المدائح النبوية جانباً من فلسفة مكة الشعريّة وصورتها، التي تفيض بالنور الإلهي، فيغمر الأمكنة التي ارتبطت بالأحداث الدينية والمواقف الإيمانية. ويذهب شعراء المدائح النبوية إلى الانطلاق من الواسع، ويتجهون إلى المحدود الضيق..." .
وينتقل القرشي بمكة محمد اليتيم، إلى مكة محمد الفتى، ثم الرسول الملهم، في تصوير جديد، يستجلي عبقرية غار حراء، وصحراء مكة، مكانَين أشرقا بالنبيّ بعثةً للنور، وذلك حين يقول:

هِّللي يا بطــاحَ مكـةَ حَقَّـتْ = دعوةُ الحقِّ من فتاكِ الرشيــدِ
هزّه الوجدُ حين وافاه (جبـــر = يلُ) ببشرى ابتعاثِهِ المشــهودِ
وزها البشْرُ من خديجــة ثــرّاً = فرعته فرْحَى بقولٍ مجيــــدِ
ثم ألوى ميمماً وجهة الغــــا = رِ بتكبيرة الإلـــه الحميـدِ
هي لحنُ الأجيالِ أنشودة الخيــ = ر ورمــز الإلهـام والتشـييدِ
أشرقت بالهدى رحابُ الصحاري = من سهولٍ مبسوطةٍ ونُجـودِ
إنّ اليتيم يغدو فتىً رسولاً، يتخذ معه تهليل مكّة مكاناً عبقرياً، وجهةً تنعكس عبقريتها – بعبقريته – إلى المقربين منه إليه. فلأن الوجد هزّه إيماناًً باختياره رسولاً مشهوداً، كان من المنطقي، أنْ يزهو البشر من خديجة مجسداً في تصوير استعاري، يرقرق شعريته التشكيل بالحركة، حين يتحول المجرد إلى حركة تعكس سرعة الاستجابة (ثرَّاً).
إنّ هذه اللغة الوجدانية هي التي شكّل بها القرشيّ صوره ناجحاً ـ على نحوٍ غير مقصود ـ في التعبير بها عمّا يستعصي التعبير عنه حيال موقف خديجة، الذي يفوق الوصف قطعاً، فرحةً بقوْل زوجها المبعوث رحمة للعالمين.
وتُخْتَزَل قداسة المكان وتجلياته مرّةً أخرى من سَعَة بطاح مكة بالمفهوم الفيزيقي والميتافزيقي، إلى ضيق الغار الذي اتسع نوراً بقاصده، تحدوه تكبيرةٌ إلهيةٌ، أسبغ عليها الشاعر عبر بحر الخفيف، خفيف الحركات، إيقاعاً معنوياً وموسيقياً. نلمس الأول في تصويره لها لحناً للأجيال، وأنشودةً للخير، ورمزاً يجمع بين الإلهام المجرد والتشييد المجسَّد.
أمّا الإيقاع الموسيقي الآسر، الذي ينتج الدلالة الشعريّة، ويجعل بها المعنى معيشاً في ذهن المتلقي، فنلمسه في التقطيع الموسيقي ترصيعاً في حسن تقسيم ضمّ قسمات هذه التكبيرة لحناً للأجيال، وأنشودةً للخير، ثم رمزاً للإلهام والتشييد. فليس أعون من هذا التقسيم إيقاعاً هنا حفظاً للمشهد التصويري والمعنوي ،الذي قسّم به الشاعر صوره الشعريّة إيقاعاً، يدعمه إيقاعٌ آخر، يتمثل في تدوير البيت. والتدوير عبر بحر الخفيف كان ظاهرة هنا، في هذه القصيدة.
وقد لاحظ د. حماسة أن الخفيف "من البحور التي استُخدمت بكثرةٍ في الشعر الحديث، ويشيع فيه التدوير، أيْ اتصال شطرَي البيت، بحيث ينتهي الشطر الأول بجزء من كلمةٍ، يكون جزؤها الآخر تابعاً للشطر الثاني" . إنّ التدوير يمثل تدفّق معاني عديدة في زمن قليل، وكلمات وجيزة متصلة. ومن فوائده الإيقاعية إنشاداً، كما يرى د. كشك، "أنّ نطق البيت إنشادياً مرةً واحدة لا يمثل ثقلاً" .
وتتخذ عبقرية البعثة سبيلها إلى عبقرية المكان؛ حيث تتحوّل صحاري مكّة، ذلك الوادي غير ذي الزرع- سهولاً ونجوداً- إلى مشرق هدًى ونورٍ للرسالة، ليلتقي، في رحابها، إيقاع الأنشودة/التكبيرة ؛صوتاً، مع إيقاع النور/الهدى؛ ضوءاً.
ولا يفوت القرشي الشاعر المكّي دارس التاريخ، أن يجلِّي من صفحاته المضيئة شعراً في مكّة، دون أن يقف مع (غار ثور) وقفةً تكشف عن جانب آخر من تجليات المكان، كما جلّى عبقريته من خلال أخيه (غار حراء)، حين يقول القرشي في مفارقات تصويريّة:

وتَسامَى الغار في بسمة النصـ = ر وللغــار فرحةٌ بالوفـــودِ
واستِفاق البُغَاة فاتهم الهـــا = دي عليهم سماتُ يــأسٍ مـُبيْد
وتوافوا للغـار شُعْـثاً سراعـاً = كتوافـي العطشى لنبـعٍ بــرود
وعلى الغار للحمائِم عُـــشٌّ = أيُّ حصـن للصـاحبَيْن مَشــيْد
وعليه من العناكب نسـجٌ ضلَّـ = ـلَ القومَ عصبةَ الشـركِ عـودي
إنْ يكن قد شجاهُ في مكّة الكُفـ = ـرُ، ففي (طيبةٍ) مراحُ الأسـود

يتبع...
  رد مع اقتباس
قديم 16 Jun 2008, 06:26 PM   #4
خالد غير متواجد حالياً
أصدقاء المنتدى

الصورة الرمزية خالد

رقم العضويـــة: 168
تاريخ التسجيل: 07 03 2003
الجــنــــــــس:
ذكر
مكان الإقــامة: مكة المكرمة
المشاركــــات: 5,688
قوة التقييــــم: 26 نقطة
خالد will become famous soon enoughخالد will become famous soon enough
نقاط التقييــم: 133
آخر تواجــــــد: 27 Mar 2020 (10:22 PM)
الأوسمة
وسام التميز وسام التميز 

(4)


إنَّ البيت الأول يكشف عن عبقرية المكان، وضميره النابض حبّاً بساكنه، صلّى الله عليه وسلّم، من خلال صورٍ، يرسم التشخيص قسماتها. إنَّ تسامي الغار يعلن عن سعي إلى حبيب وصديق يمثل مأوى وملجأ آمنا. إنّه ـ في صورة تشخيصية ناطقة ـ يمثّل صورةً، بل رمزاً للشخصية العربية، فرحةً بالوافدين كرماً. ويزيد التشخيص الذي خلعه الشاعر، من خلال إضافة المشبّه به إلى المشبّه جمالاً، حين يُعلِن بقوله "بسمة النّصر" مشاركة النصر المُعجِز على أعداء الله، فرحه ومشاركته الرسول والغار؛ ذلك التسامي وتلك الفرحة في تجاوبٍ وجدانيٍّ.
ومع البيت الثاني، يشرع الشاعر في رسْم التاريخ صوراً ساخرة من المشركين. إنّهم يستفيقون، وقد شوّهت وجوههم سمات اليأس المبيد، وقد فاتهم الهادي. وهنا، يستوقفنا مع الشاعر ـ بوصفه للرسول بالهادي ـ أوّل ملامح السخرية غير المباشرة. فالهداية، بالطبع، لغيرهم، في مفارقةٍ ساخرة. وكأنّهم يريدون ويقصدون من مطاردتهم قتل الروح الهادية ضلالاً من عند أنفسهم. ولكي يوغل القرشي في مسلسل سخريته منهم، جعل توافيهم على الغار مسرعين إليه شُعثاً غُبراً، مصوراً إياهم ـ عبْر تشبيهٍ، يبدو قريب مأتى الخيال- عطشى منهكين لنبع بارد ؛ وكأنه يستدعي من غور بعيد، في تناصٍ ساخر، قوله تعالى : "ذُق إنّك أنتَ العزيز الكريم".
ويأتي البيت الثالث، ليُعلن عن مفارقة تصويرية تقرُّ معنىً إيمانياً معجزاً، رسمه الشاعر، غاية في البساطة والدقة، من حيث لا يعمد. إنه يحيل عُشّ الحمام، الذي باض تضليلاً للكفار على باب الغار ـ والذي هو أقرب إلى وهن بيت العنكبوت ـ إلى حصنٍ منيع للرسول وأبي بكر، ليُعلن المكان عن لفظه لعصبة الشرك، حين يستحيل ما يكمن في حيزه ضعيفاً (العُشّ ونسْج العنكبوت)، قوياً، يصد غدرهم (الحصن المشيد).
ومع البيت الأخير، يعلن الشاعر ـ من حيث لا يعمد أيضاً ـ عن مكانة غار ثور، مكاناًَ عبقرياًَ تاريخياً. فهو الممثل والرمز لوسطية الدعوة جهاداً وتضحيةً لسعي الرسول المعجز بين مكة والمدينة (طيبة)، بوصفه مكاناً بينهما، شهد فارقاً مهماً في طريق الدعوة. فقد كان ملجأ النبي الكريم ومأمنه حين غادر مكة، شجياً مظلوماً مغدوراً به من أهل الشرك والبغي. وهو نفسه المنطلق الآمن إلى حيث المدينة المنورة به صلى الله عليه وسلم. التي ستكون ـ وقد كانت ـ مراحاً لأسود الدعوة، ترسيخاً لكلمة التوحيد، منطلقاً وعوْداً حميداً إلى مكّة، في فتح مبين، رسمه القرشي في المشهد التالي، قائلاً:

هلِّلي يا بطاحَ مكّـة للغــا = زي وحيِّيه زاحفاً بالجنـــودِ
قد أعاد التاريخُ بعد جهــادٍ = مستحِرٍّ طيفَ الزمان البعيــد
ليس هذا الغازي ربيبُ الرمالا = ت سوى الفردِ من بنْيك الصِّيْدِ
ليس يرضاك مغْنَماً إنما يهـ = واكِ بيـتاً مقدسـاً للسجـود
وربوعاً بها المشاعـرُ فيهــا = وُلِد الدِّين هازئاً بالجمـــود
فاستعيدي ذكراهُ ما كـان إلاّ = نفحاتٍ من العليِّ الــودودِ

يتبع...
  رد مع اقتباس
قديم 16 Jun 2008, 06:35 PM   #5
خالد غير متواجد حالياً
أصدقاء المنتدى

الصورة الرمزية خالد

رقم العضويـــة: 168
تاريخ التسجيل: 07 03 2003
الجــنــــــــس:
ذكر
مكان الإقــامة: مكة المكرمة
المشاركــــات: 5,688
قوة التقييــــم: 26 نقطة
خالد will become famous soon enoughخالد will become famous soon enough
نقاط التقييــم: 133
آخر تواجــــــد: 27 Mar 2020 (10:22 PM)
الأوسمة
وسام التميز وسام التميز 

(5)


إن المكان والزمان يلتقيان في هذا المقطع، ليجلِّيا صفحاتٍ مشرقة في تاريخ الدعوة الإسلامية؛ بوصف التاريخ ليس محتوياً على الزمان فقط؛ بل هو حاضن لهما، على نحو من الأنحاء. إنّ باختين، الذي ربط بين الزمان والمكان، من خلال مصطلحه الشهير "الزماكانية" Chronotope، "يرى أنّ "أشكال الزماكانية، في صورها المختلفة، تجسّد الزمن في المكان، وتجسّد المكان في الزمن، دون محاولة تفضيل أيهما على الآخر. وقد عالج باختين هذا المفهوم... فالزمن، كما هي الحال، يتكثّف شاخصاَ، يكتسي لحماً، ويصبح من الناحية الفنية مرئياً، وبالمثل فإن المكان يصبح مشحوناً ومستجيباً لحركات الزمن والحبكة والتاريخ" .
إن تهليل مكّة أسباباً ودواعي يختلف هذه المرة؛ ذلك أنّ القرشي استدعى من التاريخ القريب أو تاريخ اللحظة، صورة الرسول، غازياً عزيزاً منتصراً، بعد جهادٍ مضنٍ، وصفه بالمستحِرّ، بما يوحي بالمشقة. واستعادة التاريخ هنا لشخصية الرسول، كان استدعاء يحمل عبقرية الزمان والمكان معاً؛ وهو يربط بين مكة (المكان والمكانة) ،والتاريخ (المكان والزمان) معاً. إنّ استدعاء الرسول، بوصفه طيفاً مؤمَّلاً بعد طول انتظار ويأس، لزمان بعيد ـ آنئذٍ ـ لَيَتَجَسَدُ قيمةً أسمى وأعظم، في مكانٍ أعز وأكرم؛ إنها مكة المكانوالمكانة، حاضنة الزمن / الطيف الجميل / الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام. وهنا، يتجسّد الرسول زمناً بعيداً ومرتقباً، في صورة شريفٍ؛ يملأ هذا المكان دعوةً / سجوداً / إيماناً / ذكرى سرمدية، كما ستعرف بعد قليل. ولعلّ هذا ما يفسر على نحو من الأنحاء رؤية باختين في تجسّد كلّ من المكان والزمان في بعضهما، بحيث يتكثّف الزمن شاخصاً، يكتسي هنا بأشرف لحمٍ ودمٍ، ويصبح مرئياً مشحوناً بالزمن والتاريخ.
ومن الزمن القريب ـ آنئذٍ ـ إلى الزمن البعيد مادياً والقريب روحياً، ينقلنا القرشي، الشاعر ودارس التاريخ، إلى العنصر الفاعل فيهما، ربطاً بين الزمان والمكان، حيث يصف الرسول طيف الزمان، بوصفَين آخرَين هما: الغازي، وربيب الرمالات، وهي أوصاف تحمل في ضميرها عنصرَي الزمان والمكان تلاقياً. إنّ الرسول طيف الزمان الغازي مجداً وعزاً، لأعزّ مكان لقلبه وهو مكّة. هو ابن هذا المكان، الذي يختزله الشاعر في رمالها، وهو الذي احتضنه فرداً متميزاً، من بين المقاتلين المجاهدين الشجعان.
وبحسٍّ تاريخيٍّ مرهف يستشعر القرشي ما يمكن أن يحيط (الغزو) عند المتلقي العادي بشيء من القلق المتوارد من ثنائية مفهومه، إما فتحاً لغاية نبيلة، أو سعياً للخراب والنهب. ولكي يقرّ لدى المتلقي برد اليقين، نراه يركز على المفهوم المكاني والزماني للفتح نبلاً، فهو لا يرضى مكة أحبّ بلاد الله إليه، مغنماً ومتاعاً من متاع الدنيا. وهنا، يختزل المكان، مرة أخرى شرفاً ؛حين يهوى مكّة كلّّها، بلداً حراماً، في صورة الكعبة بيتاً مقدساً لسرمدية زمن السجود، ثم في صورة ربوعٍ للمشاعر، وفق صورة تجسـيدية مكانية؛ ثم وفق صورة زمانية أرحب_ عبر صورة تشخصيية- جَعَلَها مهداً، وُلِد الدّين فيه هازئاً بالجمود. وهنا، يكسب القرشيّ الدعوة بكلمة الجمود بُعداً معاصراً، ينضاف إلى بعدها التراثي، وكأنه ينْعَي ـ من طرفٍ خفي ـ على مَنْ حصروا الدّين في دائرة، لا توسع للخطاب الديني المعاصر أن يتطور، فقهاً وتأويلاً، لمستجدات تكشف عن إعجازه الشامل، علمياً وفلكياً وحسابياً ... إلخ.
ومن الزمن القريب –آنئذٍ- إلى الزمن البعيد مادياً والقريب روحياً؛ ينقلنا القرشي مع البيت الأخير ربطاً بين مكة المكان والمكانة، وصاحب المكان والمكانة. إنّه عبْر أسلوب إنشائي طلبي، يطلب من مكة أن تستعيد ذكراه استدعاءً سرمدياً، لأنه ما كان في ظلها سوى نفحات ربانية.
وهنا، توقفنا نوعية الأسلوب، وطبيعة التصوير المختلف عند القرشي لإنتاج مزيد من الدلالة. إنَّ الأسلوب الإنشائي الأمري جاء بغرض إجلال الرسول، بوصفه ذكرى عاطرة، دائمة الحضور. "وإذا كان الخبر يمثل اللغة في جانبها القارِّ، فإن الإنشاء يمثلها في جانبها المتحرك؛ فالأساليب الإنشائية، طلبية، كالأمر والنهي والاستفهام والتمني والنداء، أمْ غير طلبية، كالتعجب والمدح والذم والقسَم، أبرز مظاهر اللغة التي تعرب عن حيويتها". إنّ الحركة هنا لا تقف عند المفهوم المادي؛ إنما تتجاوزه إلى حراك المعنى، درامياً ومعنوياً، في صورة عاطفية رقيقة تتجدد مع الذكرى.
أمّا التصوير المختلف والذي لم نعهده كثيراً في خطاب القرشي الديني، فيتمثل في تصويره للرسول بكونه نفحات من العلي الودود. والنفحات معنًى مجرد في مجمله، وتصوير المحسوس في صورة مجرد لا يقع تحت طائلة الحواس؛ يحيل المجرد هنا أكثر روحانية وأكثر حضوراً؛ وهو ما يتوافق الآن مع إحساسنا وواقعنا؛ لأن الرسول لم تعد ذكراه في حياتنا سوى نفحات طيبة من الذكرى، نتمنى تجسّدها في حضوره ماثلاً بيننا، ولكننا في الحقيقة لا نستطيع تحقيقها سوى من خلال رؤية للصالحين من البشر.
يرى د. الطرابلسي أنه "لا شكّ أنَّ إعمال الخيال في عملية التجريد ـ أي تصوير المحسوس بالمجرد ـ أوكد وأوسع منه في عملية التجسيم ـ أي تصوير المجرد بالمحسوس" . إن إعمال الخيال فيما أرى هو الأنجح في أن تؤتي الصورة ثمارها، والتجريد، بالذات، لا يجعل الدلالة والمعنى الجمالي الذي تنتجه الصورة يقدم للمتلقي على طبق من ذهب. فبقدر المشقة في إعمال الفكر تخليقا لتزاوج وتقارب العالمَين المتباعدَين (تصوير المحسوس بالمجرد) تكون لذة الثمرة، وتكون مشاركة المتقبل فاعلة رغم صعوبتها، وساعتها- أوفي لحظة الكشف بعد تعب ـ سيكون المتلقي أقرب إلى النجاح بقدر ذكائه، وثقافته، وذوقه، من ذلك المتقبِّل الكسول، وقد انقلب بين يديه المحسوس مجرداً.
ومع ختام قصيدته "مولد الرسول الأعظم"، يسبغ القرشي رؤيةً شجية تتبنى موقفاً معاصراً وهمّاً إنسانياً مشتركاً، حين يخاطب موكب النور، الذي ضمّ النّبيّ، قائلاً:

موكبَ النُّور قد عشينا فأرسـلْ = قبسةً من ضيائك المنشــــودِ
قد تعالَىْ القتَامُ وارتكـم الميـ= ن وبؤنا بواقع مَنْكـــــودِ
قبسةً فالظّلام هـدَّ قُوانـــا = وامتدادُ الظلامِ لا شـكَّ يُـودي
هاهنا مهبطُ الرسالة مهوى الـ = حقِّ مجلى لعالـــم موعــودِ
فَلْنُطَهِّرْ قلوبنـا مِنْ حُقُــودٍ = ولْنَدَعْ قولَ خائــــن رعديدِ
لا يـزالُ الإسـلامُ فيـنا فهيَّا= نَصْرَعِ الشّرْكَ والأسَى من جديدِ
لا يخفى ما عليه المقطع السابق من خطابيةٍ، عكس الإحساس بها كثرة صيغ الطلب والنداء، ولكن ربما سوّغها هنا طبيعة الخطاب ذي النزعة الحماسيّة الصادقة، في نَغَم جائر مستجير. إنَّ القرشي يجأر بالنور المحمدي، ليبدد ظلام وعمى ما عليه الأمة، ضعفاً ووهناً، بعد أن ارتكم ـ في صورة تجسـيدية ناطقة ـ المين الذي لا يخفى عن واقع جعله الشاعر ـ في صورة تشخيصية ـ منكوداً يندب حظه. إذْ لا خلاص إلا بقبسة من الصفاء النبوي المنشود. فقد هدّ الظلام قوًى، لو استمرأته فلا شك أنه سيودي بها إلى الهلاك. ولا يخفى، ثانية، ما في الأبيات من مباشرةٍ، وقربٍ في مأتي التصوير دون إعمال الخيال الخلاق.
ولكن وسط هذا الكم المباشر، والذي يبدو خطابياً، نجد الحسّ اللغوي الدقيق لا يتخلى عن القرشي. فهو بعد أن ينبّه وعي المتلقي بعبقربة مكة مكاناً لمهبط أسمى الرسالات التي انجلى بها الحق، نراه يدعو المسلمين إلى استدبار مقولة كل خائن رعديد، بعد أن نطهّر قلوبنا من (حُقُود). وهنا توقفنا هذه اللفظة التي جاءت جمع كثرة ـ لا قلة ـ للحقد؛ إشارة وإيحاءً إلى ما أراد أن يؤكده من كون الإسلام هو البديل والعلاج الناجع لكثرة الحقود التي مكنت منا كل خائن رعديد، ولعلّ البيت الأخير، الذي ختم به القصيدة، ينطق بذلك. إذْ الإسلام مازال فينا. ولم يبق لنا إلى أن نصرع ـ في صورة تشخيصية جديدة ـ الشرك والأسى من جديد، تأسياً بعهد النبيّ الكريم عليه الصلاة والسلام.
وتبقى أبداً شخصية الرسول في خطاب القرشي الشعري، ذي الطابع الديني، هي الملهمة والصانعة لجماليات وروح المكان، حتى في رحاب الكعبة التي بناها جداه إبراهيم وإسماعيل. إن قصيدة "من وحي الكعبة" ، والتي سنجعلها ختاما لهذا البحث ـ يمكن أن ينطق تحليلنا لها كاملةً بعبقرية المكان المقدّس، الذي وطئت ما حوله وطافت به روح رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
يبدأ القرشي المقطع الأول بإيقاع موسيقي آسر، بقوله:

أيُّ فجرٍ مرقـــرقٍ في شعوري = أيُّ سحرٍ مرفــرفٍ في ضميري؟
أيٌّ هدْيٍ ترعى صـداه السـماوا= ت شفاءً لظامئٍ مستجيـــرِ؟
أيُّ ذكرى شعَّت هنا لرسول اللـ= ـهِ دفّاقةَ الشَّذا والحبـــورِ؟
إنّها رايةُ الإلــه تجلّــــتُ= هي بشرى هزّتْ جَنَانَ العصـورِ
في يديها النّعيم للمؤمن البـــرِّ= وللجاحــدين أعتى سعير‍ِ
إن أول ما يستقطب معايشة المتلقي لهذا المقطع ـ وربما لجانب كبير من مقاطعها التالية ـ هو الإيقاع الموسيقي المنغوم الذي يأخذ عليه كل سبيل من أكثر من وجهة، فيقر ما تنتجه دلالة التصوير والتعبير. ولعلّ أولى ظواهر هذا الإيقاع تتمثل واضحة مع البيت الأول الذي جمع بين إيقاعين موروثين، آسرين، هما التصريع والترصيع، اللذان يصاحبهما تقطيع موسيقي لتفعيلات البحر، على نحو منتظم في أُذن المتلقي.
إن التصريع ظاهرة استحسنها الشعراء القدماء، للتنبيه إلى القافية، التي سوف تلتزمها القصيدة. حيث يلتزم صدر البيت قافية عجزه، من حيث حرف الرويّ، وهي لا شك ظاهرة موسيقية آسرة، إذا أضيف إليها الترصيع في حسن تقسيم، تُبين عن إيقاعه تفعيلات منتظمة الوقع، من خلال تقفية داخلية بين الكلمات. إن "المظاهر التي يجتمع فيها التقطيع المتوازن بالقافية الداخلية هو ما اصطلح العرب على تسميته بالترصيع"
إنّ شطرَي البيت يقوم تقطيعهما على موازنة بين تفعيلاتٍ، تمثل انسجاماً إيقاعياً، "وهذا الأسلوب من التقطيع يتمثل في إقامة الشطرين من البيت الشعري على مفردات يناسب تقطيع كلّ منها في الشطر الأول تقطيع نظيره في الشطر الثاني مناسبةً تامة، أو تنزع أن تكون تامة، وهذا النوع من التقطيع هو الذي استوقف القدامى فتوسعوا في درسه، واصطلحوا على تسميته بالموازنة" .
ويتضح هذا التقطيع المتناسب في تمامه بين شطري البيت من خلال بحر الخفيف على النحو التالي: [أيُّ فَجْرٍ = أيُّ سِحْرٍ = فَاْعِلاّْتُنْ]، [مرقرقٍ = مرفرفٍٍ = مُتَفْعِلُنْ]، [في شعوري = في ضميري = فَاْعِلاّْتُنْ]. إنّ كل تفعيلة من بحر الخفيف استوعبت إيقاعياً ـ في تساوٍ ـ دفقاً شعورياً معنوياً في تساوٍ أيضاً، لينسجم إيقاع المبْنَى صوتاً مع إيقاع المعنى دلالةً. وإذا ما عرفنا أنّ بين الشطرين ازدواجاً؛ أدركنا إلى أيّ مدىً يمكن أن "تقوي الموازنة الازدواج بين التركيبين والتقارب بين معنييهما، فتسهم في كمال صورة، أو تمام معنىً، أو استقامة نظام". ولعل التقارب في المعنى بين الشطرين قد استنطقه الإيقاع موازنةً وازدوجاً في جلاءٍ. إنّ الشاعر يتساءَل متعجباً من روعة مشهد الكعبة، فيساوي بين الفجر والسحر، في درجة الإبهار الروحي؛ ثم بين رقرقة في شعوره صفاءً، ورفرفة السحر في ضميره وقعاً مريحاً لنفس مطمئنة، وهي معانٍ متقاربة، قارب بينها الإيقاع ترصيعاً/موازنةً/ازدواجاً، عبر صورٍ تجسّد المجرد، وربما قوّى الإحساس بأسْر الإيقاع لأذن المتلقي ـ معايشةً للمعنى ـ ما خلقه الشاعر من جناس ناقص بين كلٍّ من كلمتيّ (مرقرق ومرفرف)، مما يزيد من جرس الإيقاع إعلاءً لقيمة التصريع/الترصيع/الازدواج.



يتبع...
  رد مع اقتباس
قديم 16 Jun 2008, 06:48 PM   #6
خالد غير متواجد حالياً
أصدقاء المنتدى

الصورة الرمزية خالد

رقم العضويـــة: 168
تاريخ التسجيل: 07 03 2003
الجــنــــــــس:
ذكر
مكان الإقــامة: مكة المكرمة
المشاركــــات: 5,688
قوة التقييــــم: 26 نقطة
خالد will become famous soon enoughخالد will become famous soon enough
نقاط التقييــم: 133
آخر تواجــــــد: 27 Mar 2020 (10:22 PM)
الأوسمة
وسام التميز وسام التميز 

(6)


ولا يكتفي القرشي، في سبيل فخامة الإيقاع، أن يلجأ إلى ما يُقَطَّعُ أفقياً، بل جاء التقطيع الرأسي سبيلاً آخر ينطق بقدرته إلى إكساب الإيقاع دوراً مهمّاً في إنتاج الدلالة.والتقطيع العمودي "المقصود به التزام نفس التركيب على وجهٍ يفضي إلى شيء من التغنّي". إنّ ثلاثة الأبيات الأولى تبدأ بتركيب واحد يتكرر، متمثلاً في أداة استفهام تفيد التعجب والانبهار(أي ) وفق السؤال، الذي دخلت نسيجه، مضافةً إلى نكرة تفيد العموم معنًى، وتخليق صور جديدة ـ رغم التكرار ـ دلالةً.
وهذا النوع من التقطيع الأفقي يلعب في رؤية الطرابلسي دورَين: "خلق إيقاع موسيقي متميز، يمثّل وقفة تأمل واستراحة لاستعادة النشاط قبل التمادي في القصيدة ... ثم خلق جو ملحمي هائل يقوم على الاستقصاء"، وربما كانت وقفة التأمل في جوٍّ ملحميّ يقوم على الاستقصاء، هادياً للقرشي أن يخلق مع كل دفقة من دفقات تفعيلة الخفيف صورة جديدة غير مكررة، في مقابل تكرار الصيغة، بما يدفع عن المتلقي إحساساً بالسأم.
إنّ كلّ تركيب بدأته (أيُّ) من خلال تكراره أربع مرات، رأسياً وأفقيا، كان مخلّقاً لصورة جديدة، تقارب الإيحاء بالجو الإيماني، الذي جذبنا الشاعر بإيقاعه البسيط ومعانيه الأبسط إليه. إنّ الفجر من خلال شطر البيت الأول يتحول ـ في صورة تجسـيدية ـ إلى ماءٍ صافٍ رقراقٍ في شعوره. في مقابل تحوّل السحر، في الشطر الآخر، إلى طائر ـ عبْر صورة تشخيصية مغايرة ـ يرفرف بجناحيه في ضمير الشاعر، وهي صورة تحمل نوعاً من بكارة التصوير الرومانسي ـ آنئذٍ ـ؛ يصبح بها السحر معنًى إيمانياً قاراً في الضمير، الذي يمثّل دخيلة الإنسان، ملازماً لإحساسه.
ومع قول الشاعر في بداية البيت الثاني (أيُّ هدْيٍ)، نرى الهدي، وهو معنًى مجرد، يتخلّق من خلال تصوير أوّل صورة استعاريّة تشخيصية، تحيل الهدي كائناً له صدًى مقدس، ترعاه السماوات؛ في صورة تشخيصية أخرى، توحي بقداسة ذلك الهدْي المحمديّ. ولا يلبث القرشي أنْ يزاوج ـ موافقاً ـ في استقصائه لصوره، على نحوٍ موحٍ، بين التشخيص وتراسل الحواسّ، حين يحيل ذلك الهدْي الذي صار في سمع المؤمنين صدًى مسموعاً إلى دواءٍ شافٍ، تتوق إلى شربه شفاهٌ ظمأى، مرّر حلقها الظلم. وتراسل الحواسّ على هذا النحو "هروبٌ من الوضوح الذي يثمر الملل". والرمزيون يرونها وسيلة مهمة من وسائل الإيحاء في الصورة، لأنه "كيْ تتوافر الصفات الإيحائية للصور، على الشاعر أنْ يلجأ إلى وسائل، تُعنى بها اللغة الوجدانية، كيْ تقوى على التعبير عمّا يستعصي التعبير عنه، ومن هذه الوسائل الحواس"ّ.
وإذا كان القرشي قد زاوج بين التشخيص وتراسل الحواس مع إيقاع البيت الثاني، فإنه يزاوج في البيت الثالث-من خلال إيقاع سؤاله المنسجم ـ مع إيقاع البيتين السابقين- بين التجسيد وتراسل الحواس هذه المرَّة، بوحي من إيقاعه المكرر (أيّ ...) مضافةً هذه المرّة إلى الذكري (أيُّ ذكرى). إنّ هذه الذكرى تستحيل من معنًى مجرد إلى نور يشعّ مجسّداً في رحاب الكعبة، كان مصدرَه رسولُ الله عليه الصلاة والسلام لكلّ العالمين رَوْحاً وريحاناً. إنَّ هذا النور ـ من خلال صورة تتخلق مع تراسل الحواس ـ يصبح دفق عبق وشذى يَشَمُّ المسلمون رَوْحَهُ وريحانه، ثم في صورة تجسـيدية أخرى تتحول الذكرى دفقاً من الحبور والفرحة.
وتظلّ الذكرى مع بيتي المقطع الأخيرين ملهمةً للقرشي بتخليق صورة متجددة إيمانياً تسري في نسغ الخطاب الديني سمواً في التصوير، واستدعاءً إيمانياً قرآنياً من خلال التناص. إن الذكرى تتحولّ رمزاً إيمانياً متجَلياًَ ومجسّداً في راية، ثم يجردها القرشي في بشرى سرى أثرها النفسيّ مجسداً فيما هزّ جَنان العصور فرحاً.
ويأتي البيت الأخير من المقطع مشخصِّاً الذكرى في صورة مَنْ تحمل في يديها البشرى ـ التي تجَسّدت رايةً ـ نعيماً للمؤمنين الأبرار، وسعيراً للجاحدين. والبيت على هذا النحو يستدعي في تناصٍّ قرآني قريب المأتى قوله تعالى: "إنَّ الأبرار لفي نعيم، وإنَّ الفجَّارَ لفي جحيم" . وفي تفسير الآيتين يقول الشيخ السعدي: "المراد بالأبرار، القائمون بحقوق الله وحقوق عباده، الملازمون للبّر، في أعمال القلوب وأعمال الجوارح، فهؤلاء جزاؤهم النعيم في القلب والروح والبدن، في دار الدنيا وفي دار البرزخ وفي دار القرار. وإنَّ الفجّار الذين قصَّروا في حقوق الله وحقوق عباده، الذين فُجِّرت قلوبهم، ففُجِّرت أعمالهم لفي جحيم أي: عذاب أليم، في دار الدنيا ودار البرزخ ودار القرار".
ويستوعب القرشي كلام المفسرين، ويتخذ من مكّةُ مكاناً عبقرياً يمثّل موطئاً للذكرى التي شخصّها بشيراً لمن تأسّى في عهد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، تحمل النعيم لمن برت أعمال قلوبهم وجوارحهم في دار الدنيا وفي البرزخ، والسعير لمن جحدوا الراية / الرمز/ البشرى ، حيث تعمى القلوب التي في الصدور .ومع المقطع الثاني ينتقل خطاب القرشي الديني في رحاب روحانيات الكعبة، من حيّز العموم تجلياً لكلّ البشر، إلى حيّز خصُوصية هذه الروحانيات التي شعرت بها واستشعرت روحانياتها نفسه؛ حين يقول:

شَاقَنِي والسَّنَا يُخَضِّلُ جَفْنَيَّ= وفي القلبِ خشيةٌ للقدير
وبروحي روافدُ الأمَل الضَّا = حي وروحي هيمانةٌ بالعبير
شاقني موكبُ الجلالِ تبدّى = في ظلال التَّهليل والتكبير
برحاب البيت المقدّس حفَّت= هَـتَفَاتٌ إلى العلَيِّ الكبير
كلُّهم لاجيءٌ إليه شــريدٌ= أرَّقتْهُ لوافـــح التفكير
أيُّ وحيٍ يفيض ملء مرائيـ = ـهِ فيجلو غشاوةً للضّرير
سلوةُ المخْبِتين رَوْحُ المحبَّيـ= ـنَ نشيدُ المعذَّب المقهور
نَفَحاتُ أيَّانَ منها خيــال= عبقريٌّ لشاعٍرمسحورِ؟
يبدأ القرشي بقوله (شاقني) صورةً ممتدة من خلال فعلٍ أُضيف إلى مفعوله ولمَّا يأتِ فاعله. ولعلّ ما فصل به من تصوير بين الفعل وفاعله كان أدعى مع فعل الشوق (شاقني) دون غيره في هذا السياق؛ إلى مشاركة المتلقى له في اللهفة تعرفاً إلى ما شاقه، وبخاصةٍ أنَّ الشاعر مهّد في تصويره بروحانيات تمثل دواعي لهذا الشوق. فالسَّنا يخضِّل ناعماً جفنيه، وفي قلبه يفيض ذلك النور الإيمانيّ خشيةً لله القدير، ولكنها خشيةٌ، تورث القلب اطمئناناً، لتبقى روحه رافداً للأمل الذي جسَّده -في صورة ناطقة-ضاحياً، بوصف الروح فيه مصدراً من مصادر الأمل والنور معاً، وفي تصوير آخر مغاير مستقصٍ ـ كما هي عادة القرشي ـ يجعل الروّح ـ في تصوير رومانسي رهيف يزاوج بين التشخيص والتجريد ـ تهيم حبّاً بالعبير.
ويكرر الشاعر فعل الشوق (شاقني) مع البيت الثالث ليجيء التكرار هنا عالةً على جماليات الصورة، لا يفيد شيئاً سوى إضعاف الصورة الممتدة؛ من خلال فعلٍ ينتظر ـ في شوقٍ من التصويرـ فاعله ليتم معنى (النحويَّة) و(الشعريَّة) معاً. إنَّ الشاعر بإضافة ياء المتكلم/ المفعول به؛ مكررةً في قوله: (شاقني وبروحي) إنما يوحي بأنّه صار غاية وهدفاً نبيلاً يتلقى روحانيات تقع عليه وتضاف إليه؛ هذه الروحانيات يجمعها موكب الجلال/ الفاعل. الذي يتبدَّى ـ وفق هذا التشبيه المضاف فيه المشبه به إلى المشبه ـ في ظلال التهليل والتكبير الملازمين لعبقرية الكعبة مكاناً. ولا شكَّ أنَّ تصوير موكب الجلال شخصاً بادياً في ظلال التهليل والتكبير؛ يضيف إلى الصورة جمالياتٍ واعدة بالإيحاء الذي يندّ عن الوضوح الصارم، إلى حيث الغموض الشفيف؛ حين يتجسّد التهليل والتكبير في ظلالٍ تحدب على موكب الإيمان. ويظلّ هذا التفعيل الموحي يؤتي ثماره أكثر نضجاً؛ لو لم يكرر الشاعر الفعل (شاقني) الذي قطع على المتلقي فجأةً متعة الصورة الممتدة، ليجد الفاعل قد تلبَّس فجأةً بفعله الذي قفز نسخةً مكررة من صدر البيت الأوّل إلى صدر البيت الثالث.
ويتخذ الشاعر من البيت الرابع مجلًى جديداً لخصوصية وتجليات الكعبة مكانأً مقدَّساً، من خلال صورة تشخيصية يفقه وقعها الإيماني والجمالي كلُّ مسلم، حيث تتحوّل الهتفات الضارعة لله ـ لا البشر الذين يهتفون ـ إلى شخوصٍ مؤمنةً تحفّ متحلقةً بالبيت المقدّس، وكأنَّ هذه الهتفات تمثل من البشر الجانب الأبقي (الروح) على حساب الفاني (عالم الجسد). ثم يعيد القرشي الرقيب المؤمن رؤاه إليهم جسداً وروحاً؛حين يعلن في البيت الخامس أنَّ كل البشر جاءوا إلى الله مشردين يطلبون الأمن والغفران. بعد أنْ اتخذ الشاعر من التصوير دليلاً ناطقاً على حالتهم. حين جعل للتفكير المقلق المورَّق بفعل الذنوب - وهو معنىً مسكوت عنه ـ لوافح نارية تلسع قلوباً وجلة إلاّ من رحمة الله.
وبدءاً من البيت السادس ينحو القرشي باللاجيء منحًى مطمئناً، حيث وحي الكعبة يملأ قلبه وفكره القلق نوراً يجلو منهما غشاوة الظلمة التي ترين من حين لآخر عليهما. ليغدو وحي الكعبة سلوةً وطمأنينةً للمخبتين الخاشعين خضوعاً لله، وروْحاً وراحةً لمحبّي الله، ثم نشيد أمنٍ يهدهد بنغمه وإيقاعه كلّ معذّبٍ مقهورٍ. إنها صورٌ، يلتقى فيها المجرّد بالمجسّد ليرسم عالماً من الروحانيات الشفيفة. يختمها الشاعر بوصفها في تصوير مجرّد ـ يندّ عن مادية المحسوس ـ نفحات إيمانية من عطاء الخالق، بما يناسب عالم الروحانيات في هذا الموقف. لتستحيل هذه النفحات الربّانية عالماً مجرداً يفوت الشاعر العبقريّ المسحور بعبقريتها وعبقرية المكان أن يلمَّ بها قصيده وشعره. لأنّها فوق الكلمات والمجاز والخيال، حيث عالم الغيب/ البرزخيَّة؛ الذي لا يلمّ به ولا يعرف كنهه عالم الخلق/ الشهادة/ الدنيا.
ومع المقطع الأخير يفلسف القرشي قضية التوبة في لغةٍ بسيطة ولكنها دقيقة وموحية، سمواً بعوالم الرُّوح، فهو القائل:

طُفْتُ مالي إلى سواك سبيلٌ = ربِّ فاقبلْ نجوي فؤاديَ الكسيرِ
أنا ياربُّ حائرُ الخطْوِ عانٍ= أتراءَى لديكَ خيرَ مَصيْـــر
ربّ فاملأْ بنورِ حُبِّكَ قلبي = أرتشفْ كَوْثَرَ الصَّفاءِ النضّيْر
إنَّ الفعل الماضي الذي يدلّ على الطواف (طفت) لَيُكرٍّس خصوصية في هذا السياق، تجعل من الطواف طقساً مقدّساً حين يرتبط على نحوٍ مقدّسٍ مخصوص بالكعبة محطّاً وقرباً إلى سبيل لا يقصد الشاعر غيره لربِّ العالمين، منه يناجيه فؤاده الكسير، ولماذا عبّر الشاعر هنا بالفؤاد ولم يعبِّر بالقلب، كما فعل في البيت الأخير؟‍‍‍!
إنَّ (لفؤاد) غالباً ما يعبَّر به في سياقات قرآنية عن القلق والجزع بينما يُعَبَّرُ بالقلب عن جانب الاطمئنان والثبات والتصبّر. ولعل هذا ما عبَّر عنه القرآن وهو يحكي قصة أمِّ سيدنا موسى في قوله تعالى: "وأصبح فؤاد أمِّ موسى فارغاً إنْ كادت لَتُبْدي به لولا أنْ ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين" . وعن تفسير الآيـة يقول الشيخ السعدي :"لمَّا فقدت موسى أمَّه، حزنت حزناً شديداً، وأصبح فؤادها فارغاً، من القلق الذي أزعجها، على مقتضى الحالة البشرية، مع أنَّ الله تعالى نهاها عن الحزن والخوف، ووعدها بردِّه. (إن كادت لَتُبْدِى به) أي: بما في قلبها (لولا أنْ ربطنا على قلبها) فثبتناها، فصبرت، ولم تبدِ به. لتكون بذلك الصبر والثبات من المؤمنين" .


يبتع ...
  رد مع اقتباس
قديم 16 Jun 2008, 06:55 PM   #7
خالد غير متواجد حالياً
أصدقاء المنتدى

الصورة الرمزية خالد

رقم العضويـــة: 168
تاريخ التسجيل: 07 03 2003
الجــنــــــــس:
ذكر
مكان الإقــامة: مكة المكرمة
المشاركــــات: 5,688
قوة التقييــــم: 26 نقطة
خالد will become famous soon enoughخالد will become famous soon enough
نقاط التقييــم: 133
آخر تواجــــــد: 27 Mar 2020 (10:22 PM)
الأوسمة
وسام التميز وسام التميز 

(7)


أظنُّ أن النماذج التي حلّلناها وفق الخطاب الديني من شعر القرشي _ رحمه الله _ لَتَنْطِقُ بما قررناه في بداية البحث. من حيث اعتمادُها على خيال شعريّ بسيط قريب المأتي؛ لكنه مع ذلك يحمل قدرة هائلة على استقصاء كل ما يسري في نسيج صوره رومانسية المنزع، من جماليات كانت تشكّلها أكثر من وسيلة تشكيل، دون أن يسلم ذلك إلى تعقيد يندّ عن معايشتها من خلال تصويره. بل كانت تمثلّ ـ إن صحّ هذا التعبير المطروق ـ السهل الممتنع. بما توفّرت عليه من تجسيد وتشخيص وتراسل حواسّ؛ زاوج بينها جميعاً، ربّما داخل البيت الشعريّ الواحد.
وإذا كنّا قد قلنا إنَّ خطابه الديني الذي تَمَثَّل الرومانسية مذهباً؛ قد نأى في معظمه عن لغة الوعظ المباشر، فإنه قد وقع ـ في أحيان قليلة ـ في وهدة المباشرة. وربمّا خفّف من حدّة المباشرة ـ أحياناً ـ في تصويره؛ تملكه بصدق لناصية الإيقاع الموسيقي الآسر دون تعقيد أيضاً؛ وفق ما أبان عنه تحليلنا. فقد كان القرشي من خلال شعره صادقاً مع تجربته الشعريّة، التي أبان في جانب منها ـ وهو يكتب مقدمة مجموعته الكاملة ـ عن دور الموسيقى المهم في إكساب الشعر الشعريّة الحقّة.
وقد أعلن القرشي عن شغفه بدور الإيقاع، دون تعصب مقيت لأيٍّ من الشعر العمودي أو الشعر الحرّ الذي كتبه بعد ذلك. فهو القائل عن النموذج الإيقاعي القديم: "وأعجبت بالموسيقى الشعرّية التي تترقرق في شعر البحتري، فهذا الشاعر هو حقّاً من أساتذة الموسيقى الشعرية وأحد روادها، فقد لا يكون هناك محتوى في بعض قصائده أو أبياته، ولكن قوّة تأثير موسيقاه تجذبك إلى قراءَته، وتحبّبها إليك". وربّما تصدق رؤية القرشي لشعر البحتري، على طبيعة نماذج من شعره هو.
وعن الرؤية التجديدية في شكل الإيقاع، يقول القرشي، بما يبين عن عدم تعصبه لشكل بعينه: "إنني أستنكر التعصبب للشكل في الشعر. ولم يكن اتصالي بحركة الشعر الحُرّ غريباً عليَّ أو متعارضاً شكلاً مع اتجاهاتي، فقد تخليت عن القافية ذات الجرس والرنين، وفي كثير من قصائدي الأولى اتجاه إلى تنويع القافية في القصيدة الواحدة".
ويقول في موضعٍ آخر: "أجل فبعد استقرائي نماذج من الشعر الحرّ ومناهجه مارست كتابة جانب كبير من تجاربي الشعريَّة بأسلوبه، ونشرتّ الكثير من ذلك في صحفنا المحليَّة، ثم في مجلَّتَىْ الآداب اللبنانيَّة والأسبوع العربيّ وغيرها".
وإننا حين نسوق هذه المقتبسات من قول القرشي إنما لنؤكد أنَّ الشاعر قد تطور نتاجه شكلاً ومضموناً، ما دام البحث وفق طبيعته قد أوقفنا من خلال الخطاب الدينيّ عند دائرةٍ ضيقة هي صورة مكَّة المكرمة في شعره.
وأرى أنه لا بد أن أشير –وأنوّه- في نهاية هذا البحث إلى قدرة القرشي- دارس التاريخ على وجه التخصّص ـ على الهروب في شعره من مجرد السّرد التاريخي الذي يقف عند ظاهر السطح، ينقل الأحداث في مدرسيَّة تنأى عن شعرية الشعر. وفق ما يكتبه المؤرخون لأحداثٍ إسلامية. وإنما كان الشاعر ـ بصدق ـ في جلّ إنتاجه صوتاً شاعرياً مميّزاً في مسيرة الشعر العربي المعاصر حتى وفاته.
وقد لاحظ د. جريدي المنصوري جانباً من هذه الرؤية، وهو يعلي من قيمة شعر القرشي الديني، حين حلّل مقطعاً من قصيدته "مكّة"، وجعل الرجل من صنف الشعراء الذين يلذّ العقل وتلذّ المعرفة بشعرهم. وليس من الذين نَعَى د. المنصوري شعرهم بقوله: "ومهما يكن من أمر فإن الشعراء حين يعرضون لمكّة المكرمة وجبالها يستهلكهم الجانب الخارجي وتعداد أسماء المواضع المقدسة ...، ويبقى المعنى الشعريّ العميق يتشكّل تشكلاً عاطفياً روحياً مع انفصال عن الشاعرية التي تتحقّق في المخيال، وكذلك فإن كثيراً من القصائد التي تتجه إلى هذا الموضوع تقف عند السطح والهامش وتكتفي بسرد الأحداث ومتابعة حوادث التاريخ، وتتحّول إلى جانب آخر للتاريخ، وينسى أنَّ الشعر سبيله الخيال والانفعال والاحتمال، وهذه القوى التي تحكم الشعر تجعله يجمع روحانية العاطفة إلى لذّة العقل حيث البعيد، ولذة المعرفة بأسرار اللغة وحيل التراكيب" . وأزعم أن تحليلي لنماذجه القليلة في هذا البحث قد حاول إلى حدٍّ ما أنْ يكشف عن جانبٍ معقول من هذه اللذة وفق خطاب ديني متميز زمنياً وفق تلك الفترة.




المراجع

1."ديوان حسن عبدالله القرشي" ـ مج2 ص7 ـ دار العودة ـ بيروت ـ ط2 ـ 1979م.
2."الرمزي والروحي والمقدّس" ـ د. جريدي سليم المنصوري ـ 1011 ـ مجلّة "علامات في النقد" ـ النادي الأدبي بجدّة ـ مج13 ـ ع52 ـ ربيع الآخر 1425هـ ـ (ملتقى النصّ الرابع).
3."الوهم ومحاور الرؤيا ... دراسات في أدبنا الحديث" ـ د. منصور إبراهيم الحازمي ـ دار المفردات للنشر والتوزيع ـ الرياض ـ ط1ـ 1421هـ ـ 2000م ـ ص127.
4." الرمز والرمزية في الشعر المعاصر"- د.محمد فتوح أحمد-331-دار المعارف-ط3-1984م
5."البناء العروضي للقصيدة العربية" ـ د. محمد حماسة عبداللطيف ـ 123 ـ دار الشروق ـ مصر ـ بيروت ـ ط1 ـ 1420هـ ـ 1999م.
6."التدوير في الشعر" ـ د. أحمد كشك ـ 118 ـ مطبعة المدينة القاهرة ـ ط1 ـ 1989م.
7."دليل الناقد الأدبيّ" ـ د. ميجان الرويلي، د. سعد البازعي ـ المركز الثقافي العربي ـ بيروت ـ ط3 ـ 2002م ـ ص170.
8."خصائص الأسلوب في الشوقيات" ـ محمد الهادي الطرابلسي ـ 349 ـ المجلس الأعلى للثقافة ـ مصر ـ 1996م.
9." شعر السُّميْسر الأندلسي (صوت المعارضة) .. الرؤية والأداة" ـ د. حافظ المغربي ـ دار أبو هلال للطباعة والنشر ـ المنيا ـ مصر ـ 2002م.
10."معجم مصطلحات الأدب" ـ د. مجدي وهبة ـ 656 ـ مكتبة لبنان ـ بيروت ـ 1974م.
11."النقد الأدبي الحديث"- د.محمد غنيمي هلال- 395-نهضة مصر للطباعة والنشر- د.ت
12."تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنَّان" ـ تأليف الشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي ـ تحقيق عبدالرحمن معلاّ اللويحق ـ 914 ـ مؤسسة الرسالة ـ بيروت ـ ط1 ـ 1423هـ ـ 2002م.
13."أفئدة" ـ مقال لحسين محمد بافقيه ـ افتتاحية مجلَّة "الحج والعمرة" ـ السنة الثامنة والخمسون ـ العدد التاسع ـ رمضان 1424هـ ـ أكتوبر ونوفمبر 2003م.
  رد مع اقتباس
قديم 16 Jun 2008, 08:43 PM   #8
باب الزيادة غير متواجد حالياً
عضو شرف

الصورة الرمزية باب الزيادة

رقم العضويـــة: 16918
تاريخ التسجيل: 13 03 2008
الجــنــــــــس:
ذكر
المشاركــــات: 458
قوة التقييــــم: 15 نقطة
باب الزيادة will become famous soon enough
نقاط التقييــم: 73
آخر تواجــــــد: 12 Sep 2009 (07:23 PM)
الأوسمة
وسام التميز عضو شرف 
الاستاذ / خالد

دراسة واعية و وصف دقيق وحب جّم و مشاعر صادقة وتعلّق واضح

فالشاعر الفذ / حسن القرشي

أحد أعمدة الشعر العمالقة

وأحد القامات الكبيرة

التي أنجبتهم مكة المكرمة

فسر على بركة الله

بمدنا بسير العظماء الكبار

مودتي وتحياتي لشخصكم
  رد مع اقتباس
قديم 16 Jun 2008, 09:07 PM   #9
ماجد غير متواجد حالياً
كمبيوترجي سابقاً

الصورة الرمزية ماجد

رقم العضويـــة: 7297
تاريخ التسجيل: 10 03 2006
العــــمـــــــــر: 42
الجــنــــــــس:
ذكر
مكان الإقــامة: مكـــ المكرمةــــة
المشاركــــات: 1,756
قوة التقييــــم: 18 نقطة
ماجد will become famous soon enough
نقاط التقييــم: 74
آخر تواجــــــد: 18 Sep 2012 (02:03 AM)
الأوسمة
وسام التميز الوسام الفضي 
أخي العزيز/ خالد
تحية حب واحترام أبعثها إليك نظير جهودك المشكورة التي لاينكرها إلا جاحد
ففي كل مرة تفاجئنا وتتحفنا بمواضيعك المتكاملة والمتعوب عليها...

أتمنى من الله أن يأجرك على اهتمامك بكل ما يخص بمكة والبيت الحرام....

واحنا جميعا على اطلاع وبكل استمتاع على مواضيعك القيّمة يا ...

ربي يوفقك ويزيك من نعيمه يا خالد

وتقبل مروري المتواضع عزيزي

  رد مع اقتباس
قديم 16 Jun 2008, 09:23 PM   #10
Mr.BrokenPencil غير متواجد حالياً
مكاوي جديد

الصورة الرمزية Mr.BrokenPencil

رقم العضويـــة: 17644
تاريخ التسجيل: 18 05 2008
الجــنــــــــس:
ذكر
المشاركــــات: 70
قوة التقييــــم: 15 نقطة
Mr.BrokenPencil is on a distinguished road
نقاط التقييــم: 10
آخر تواجــــــد: 09 Sep 2008 (03:46 AM)
ِ أ / خالد
على الطرح المميز

تقبل مروري المتواضع
________________________________________


مااسألك لازعلتي كيف ماتزعلين ؟//شفتي وشلون صرت أنا اقولك يامسهلك
وش خذيتي من القلب الحنون الأمين //وش كسبتي من اللي قال لك منبلك ؟!\\أحرقي هالقلوب جربي تكذبين
في ايدك قلعتين وخيل والجند لك
ياذكية تراها كلها نقلتين //انقلي ذي بدل ذي
واصرخي
كش ملك
  رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 09:49 PM



Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2022, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi
(Valid XHTML 1.0 Transitional | Valid CSS! | SEO) .
For best browsing ever, use Firefox.
Copyright © 2018 makkawi.com. All rights reserved