عرض مشاركة واحدة
قديم 22 Oct 2010, 05:06 PM   #2
المحب المكي غير متواجد حالياً
مكاوي فعال


رقم العضويـــة: 10598
تاريخ التسجيل: 16 12 2006
الجــنــــــــس:
ذكر
المشاركــــات: 3,504
قوة التقييــــم: 17 نقطة
المحب المكي is on a distinguished road
نقاط التقييــم: 39
آخر تواجــــــد: 19 Nov 2012 (04:20 PM)
الأوسمة
وسام التميز عضو شرف 
سلاطين دارفور وصُرَّة الحرمين

سلطنة دارفور من السلطنات الشهيرة في حزام بلاد السودان، الذي يقع جنوب الصحراء وشمال غابات السافنا المطرية، لقد تجلَّت طبيعة التواصل مع الأراضي المقدسة في الصُرَّة السنوية التي كان يرسلها سلاطين دارفور إلى الحرمين الشريفين. ونستشهد في هذا المضمار بثلاث وثائق صدرت في القرن الرابع عشر للهجرة/ التاسع عشر للميلاد، وتوجد أصولها بدار الوثائق القومية المصرية بالقلعة تحت الرمز: محفظة 104، ملف مجموعة السودان. صدرت الوثيقة الأولى في 4 رجب 1291 ﻫ/ 18 أغسطس 1874 م وعليها خاتم السلطان إبراهيم قرض( 11)، وتقرأ بعض مقاطعها هكذا:

«واصل من أمير دارفور للحضرت الخديوي عشرون سنان من سن الفيل وزنها قنطار عشرة، وست أغوات صُحْبَةَ الحاج حمزة سر تجار وأخيه محمود [...] وقد أرسلنا الحاج إدريس صحبة المذكورين متوجه للحرمين معه صُرَّة لمكت [مكة]، وأغوات لخدمة البيت، وصُرَّة لمدينة الرسول r، معها أغوات لخدمت الحرم الشريف، يكن معلوم حضرتكم من الوصول يصير توجه الحاج إدريس هناك، أدامكم الله تعالى، والسلام»( 12).

والوثيقة الثانية عبارة عن خطاب من أمير سلطنة الفور، (الشهير بإبراهيم قرض)، إلى حضرة كبير أغوات المدينة المنورة، يوضح فيه أنه مرسل صُرَّة من ألف ريال ونيف لتوزع لمصارفها حسب القائمة المرسلة مع أمين الصُرَّة الحاج إدريس. وجاءت الوثيقة الثالثة على ذات النسق، تحوي كشفاً يوضح كيفية توزيع صُرَّة دارفور التي تقدر بعشرين ألف ريال إلى الحرمين الشريفين، وشملت مصارف توزيعها في مكة المكرمة الشريف عبد الله، وأغوات الحرم المكي، ومأمور جدة، وصيانة بئر زمزم، وأمام المذهب الحنفي، وطلبة العلم، والبوابين، والمطوفين، والعجزة. أما صُرَّة المدينة المنورة فكانت تقدر أيضاً بعشرة ألف ريال، شمل توزيعها كبير الأغوات، وأهل البقيع، والمطوفين، ومأمور المدينة، والبوابين، وخدام مسجد قباء، والإمام الراتب في المسجد والمؤذنين( 13).

هكذا كان تواصل دارفور مع الحجاز تواصلاً تاريخياً وأريحياً، يقوم على إرسال الصُرَّة السنوية إلى أم القرى ويثرب، وكانت الصُرَّة تُرسل في شكل منتوجات عينية، تباع في مصر، ثم تُكشف عائدات المبيع وتُبعث إلى الحرمين الشريفين، وذلك بخلاف الأغوات الذين خصصوا لخدمة البيت العتيق والحرم الشريف(14). وفي ضوء هذه الترتيبات السياسية أرسل السلطان علي دينار إلى سلاطين باشا خطاباً مؤرخاً في 6 رجب 1321 ﻫ/27 سبتمبر 1903 م: «أعلم مكارمكم أفندم أنني قد وجهت الأفكار بإرسال الوقف للحرمين الشريفين، وقد تجهز الآن قادماً لأرض الحجاز صحبة المعين من ملوكنا المكرم صالح علي، ومن معه من الرجال قادماً، فغاية الأمل حال وصوله أمدرمان لم يتأخر غير راحة يوم أو يومين، فحالاً تقوموا بواجبات سفره بكافة من معه، وتحرروا له الرواح لمديرون المحطاة [كذا] بربر، ولغاية سواكن، بسرعة قدومهم وشمول نظر سعادتكم نحوهم [...] وبعد عودتهم يفادونا بهم، وهما على أثر جوابكم يأتونا، كما أملي في سعادتكم رجائي في علو همتكم أدام الله بقاكم»(15).

ويبدو أن هذه الرحلة الحجازية قد كُللت بالنجاح، كما جاء في خطاب السلطان علي دينار المعنون لسلاطين باشا في 27 جمادى الآخر 1322 ﻫ/ 7 سبتمبر 1904 م، والذي تقرأ بعض مقاطعه: «... وزيادة سرورنا وحبورنا قيامكم في أمر المحمل النبوي الذي بُعث من طرفنا للحرمين الشريفين، مكة المشرفة والمدينة المنورة، وعلى ساكنها أفضل الصلاة والسلام، ومقابلتكم بالإكرام والإجلال والراحة في كافة لوازم تسهيلاته، وسرعة سفريته على جانب أعتاب الحكومة العادلة في ذهابه وإيابه [...]. وقد تم وصول جمل المحمل ومن معه من المعينين بالسلامة»( 16).

سبق أن تطرقنا في صدر هذا البحث إلى صُرَّة سلاطين دارفور وإسهامها المادي والوظيفي في ترقية خدمات الحرمين الشريفين في الحجاز، علماً بأن كل صُرَّة من هذه الصُرر كانت تُصحب برهط من الأغوات الذين اختيروا للعمل في خدمة الحرمين الشريفين وصون مرافقها، وكانت أجورهم تدفع بصفة دورية، وتمثل جعلاً مهماً من صُرَّة دارفور. وحسب رأي الدكتور أحمد عبد الرحيم نصر فإن لفظة "الأغوات" يبدو أنها لفظة مستحدثة، لأن المدونات القديمة تستخدم مصطلحات أخرى مثل "الْخُدَّام"، و"السدنة"، و"الخصيان" و"البررة"، وتتباين في تحديد تاريخ تأسيس عملهم الوظيفي، وتحديد عددهم الذي بدأ يستقر بين أربعين وثمانين أغاً في أي من الحرمين الشريفين في القرنين الثالث عشر والرابع عشر للهجرة/ التاسع عشر والعشرين للميلاد( 17). وتدريجياً بدأ هؤلاء الأغوات يشغلون رتباً معينةً في خدمة الحرمين الشريفين، مثل: شيخ الحرم، والنقيب، وأمين الخزينة (الخازندار)، والمستلم، والْخُبزية، والبطالين. وكانوا يرتدون زياً رسمياً يميزهم عن عامة الناس، وتتجلى سمات هذا الزي في وصف الرحالة السويسري جون لويس بوركهارت (ت. 1233 ﻫ/ 1817 م) لأغوات الحرم المكي بأنهم كانوا يلبسون عباءات إستانبولية، وأثواباً من أحسن أنواع الحرير الهندي واسعة مطرزة مشدوداً عليها حزام، ويضعون على أكتافهم شالات كشميرية، ويحملون عصي طويلة في أيديهم( 18). أما أعمالهم الوظيفية فكانت تشمل نظافة الحرمين الشريفين، وتنظيم حركة الناس بداخلهما، وحفظ الأمن والنظام العام، وبعض الأنشطة الأخرى المرتبطة بزيارة المسجد النبوي والروضة الشريفة. ويصف العياشي طرفاً من هذه الخدمات في الحرم المدني بقوله: «وساداتنا الأغوات، رضي الله عنهم وجازاهم خيراً، لا يغفلون طرفة عين عن حراسة الحرم الشريف، وتأديب من أساء فيه الأدب بلغط، أو رفع صوت، أو نوم، ولو في قائلة إلا في مؤخرة المسجد، ومن وجدوه مضطجعاً من دون نوم للاستراحة، فإن مدَّ رجليه ناحية إلى الحجرة زجروه، وإن استقبل القبلة بوجهه أو الحجرة من غير أن يكون مستدبراً لها تركوه. لا يغفلون عن حضور المسجد في ساعة ليل أو نهار، فإن خرجت طائفة جلست طائفة»(19).

--------------------------------------------------------------------------------

([1]) هو علي دينار بن زكريا، حفيد السلطان محمد الفضل (1193-1255 ﻫ/ 1779-1839 م)، ولد في الفاشر عام 1380 ﻫ/ 1860 م، وبدأ حياته السياسية والإدارية والياً على مقاطعة أرقد مراريت جنوب شرق الفاشر، ثم خلف أبو الخيرات بن السلطان بكر على زعامة الفور عام 1307 ﻫ/ 1889 م.

([2]) انظر شهاب الدين بن فضل الله العمري، مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، السفر الأول، تحقيق عبد الله بن يحيى السريحي، منشورات المجمع الثقافي، أبو ظبي، 1424 ﻫ/ 2003 م، ص. 164.
(نص ابن فضل الله العمري عن آبار علي يقرأ: «فأما ذو الْحُليفة فهو أبعد المواقيت، على عشر مراحل من مكة، أو سبع منها، وهو بضم الحاء المهملة وفتح اللام. ومنها يحرم الآن الركب الشامي، وبها آبار تسمى آبار علي. وبعض الناس يقولون بئر المحرم»، ص. 164).

([3]) أحمد السباعي (ت. 1404 ﻫ/ 1984 م)، كاتب سعودي مبدع، لمع في مجال الأدب والصحافة والتاريخ، ومن أشهر مؤلفاته كتابه الموسوم بـ"مكة: دراسات في السياسة والعلم والاجتماع والعمران"، نادي مكة الثقافي، مكة المكرمة، ط. 4. 1399 ﻫ.

([4]) الفاشر هي عاصمة مديرية دارفور.

([5]) لمزيد من التفصيل انظر: عبد القيوم عبد رب النبي، كسوة الكعبة المشرفة، مركز الترجمة والتأليف والنشر، مكة المكرمة، 2007؛ يوسف أحمد، المحمل والحج، مطبعة الحجازي، القاهرة، 1937؛ إبراهيم حلمي، المحمل: رحلات شعبية في وجدان أمة، مكتبة التراث الإسلامي، القاهرة، 1993؛ أسعد أفندي سليم، «الكسوة والمحمل»، مجلة الهلال، 1907، ج 4، صص. 129-133.

([6]) نوازد صواش، «المحمل الشريف: أشواق إلى ديار الحبيب r»، مجلة حراء، العدد 1، أكتوبر-ديسمبر، 2005.

([7]) المرجع نفسه.

([8]) إبراهيم رفعت باشا، مرآة الحرمين أو الرحلات الحجازية والحج ومشاعره الدينية محلاة بمئات الصور الشمسية، مطبعة دار الكتب المصرية، القاهرة، ج 2، 1925؛ أو طبعة بيروت، دار المعرفة، د. ن.

([9]) المرجع نفسه.

([10]) علي بحر الدين دينار، «السلطان علي دينار والمحمل الشريف: حول أفضال السودان على البيضان»، صحيفة سودانايل الإلكترونية.

([11]) هو إبراهيم بن السلطان محمد حسين، آخر سلاطين الفور، استمرت فترة حكمه لعام واحد وبضعة أشهر، قتل في واقعة منواشي عام، 1295 ﻫ/ 1874 م، وباستشهاده وضع حداً لنهاية سلطنة الفور وبداية الحكم التركي المصري الذي لم تتجاوز سنوات عمره عقداً من الزمان في دارفور، حيث دانت دارفور بعدها لسيادة الدولة المهدية التي استمرت رغم أنف معارضة أمراء الكيرا التي لم تثمر في إعادة ملك أجدادهم السليب.

([12]) محفظة رقم 104، ملف مجموعة السودان، قسم الوثائق الإفريقية، دار الوثائق القومية بالقلعة، القاهرة. يوجد نص هذه الوثيقة في: يحيى محمد إبراهيم، تاريخ التعليم الديني في السودان، دار الجيل، بيروت، 1987، ص. 415.

([13]) محفظة رقم 104، ملف مجموعة السودان، قسم الوثائق الإفريقية، دار الوثائق القومية بالقلعة، القاهرة.

([14]) أحمد عبد الرحيم نصر، أغوات الحرمين الشريفين: دراسة تاريخية مقارنة، الجامعة الإسلامية العالمية، كوالالمبور، ط. 2، 2006.

([15]) علي دينار إلى سلاطين باشا، 6 رجب 1321 ﻫ/ 27 سبتمبر 1903 م، دار الوثائق القومية، الخرطوم، مخابرات (SGA, Intell)، 7/1/5.

([16]) علي دينار إلى سلاطين باشا، 27 جمادى الآخر 1322 ﻫ/ 7 سبتمبر 1904 م، دار الوثائق القومية، الخرطوم، مخابرات (SGA, Intell)، 7/1/6.

([17]) لمزيد من التفصيل انظر: أحمد عبد الرحيم نصر، المرجع السابق، ص. 17-35-86-87.

([18]) انظر: J.L. Burckhardt, Travels in Arabia, London, Frank Cass et Com. Ltd., 1968, p. 159.

([19]) محمد أمحزون، المدينة المنورة في رحلة العياشي، دار الأرقم للنشر والتوزيع، الكويت، 1408 ﻫ/ 1988 م، ص. 234.
________________________________________

  رد مع اقتباس