عرض مشاركة واحدة
قديم 22 Oct 2010, 05:05 PM   #1
المحب المكي غير متواجد حالياً
مكاوي فعال


رقم العضويـــة: 10598
تاريخ التسجيل: 16 12 2006
الجــنــــــــس:
ذكر
المشاركــــات: 3,504
قوة التقييــــم: 17 نقطة
المحب المكي is on a distinguished road
نقاط التقييــم: 39
آخر تواجــــــد: 19 Nov 2012 (04:20 PM)
الأوسمة
وسام التميز عضو شرف 
المشاهدات: 1387 | التعليقات: 7

سلاطين دارفور وصُرَّة الحرمين الشريفين





الدكتور أحمد إبراهيم أبو شوك

نائب العميد للدراسات العليا والبحث العلمي

الجامعة الإسلامية العالمية - ماليزيا



يرى المؤرخ البريطاني أورنولد توينبي (ت. 1395 ﻫ/ 1975 م) أن الفعل التاريخي يقوم في كلياته على جدلية "تحدي واستجابة"، ويبدو أن هذه الجدلية قد ألقت أيضاً بظلالها على حركة البحث العلمي، وثقَّفت مسارها في أكثر من موضعٍ. وفي ضوء هذه الفرضيَّة يحضرني المقال الجيِّد الذي نشره الأستاذ سيف الدين عيسى مختار بعنوان: "الجواب الجلي لمن سأل عن آبار علي" في صحيفة سودانايل الإلكترونية، وخلص بموجبه إلى أن آبار علي الواقعة على مشارف المدينة المنورة لا يصح نسبتها تاريخياً إلى السلطان علي دينار (ت. 1335 ﻫ/ 1916 م)( 1)، لأن المؤرخ شهاب الدين بن فضل الله العمري المتوفى عام 749 ﻫ/ 1348 م قد ذكرها في كتابه الموسوم بـ"مسالك الأبصار في ممالك الأمصار"( 2)، وذهب أيضاً إلى القول بأن مؤرخ مكة المكرمة الأستاذ أحمد السباعي(3 ) لم يعط أية إشارة تؤكد «أن علي دينار قام أو ساهم بالمال في كسوة الكعبة، أو أنه أقام مصنعاً في الفاشر( 4) لهذا الغرض، فقد كانت مصر في تلك الفترة تتولى هذا الأمر، وتحتفل به، وترسل الكسوة على رأس وفد عال إلى الديار المقدسة». فلا غرو أن الكاتب قد أسس أطروحته على شواهد تاريخية، ربما لا تتوافق مع مزاج بعض الباحثين في أدبيات التراث السوداني، لذا فقد وصفها الدكتور علي بحر الدين دينار بأنها شواهد تاريخية منتقاة لا تعكس حقيقة الواقع الذي كان قائماً آنذاك، وذلك في مقال جيِّد الصنعة، نشره في سودانايل، استجابةً للتحدي الذي أثاره الأستاذ سيف الدين مختار. وكان المقال بعنوان: "السلطان علي دينار والمحمل الشريف: حول أفضال السودان على البيضان"، حاول الدكتور علي بحر الدين من خلاله أن يؤكد إسهام السلطان علي دينار في إرسال المحمل الشريف إلى الحرمين، باعتباره حقاً مثبوتاً له في الوثائق السودانية المحفوظة في دار الوثائق القومية بالخرطوم تحت الرمز "مخابرات"، والتي تعطي صورة حيَّة لمحمل دارفور الشريف الذي درج السلطان علي دينار على إرساله إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة في الأعوام 1320 ﻫ/ 1903 م، و1321 ﻫ/ 1904 م، و1324 ﻫ/ 1906 م، و1327 ﻫ/ 1909 م، و1331 ﻫ/ 1913 م.

وفي هذا البحث لا أود الخوض في غمار الرأي والرأي الآخر بأسلوب سجالي، دحضاً أو تعضيداً لما ذهب إليه الأستاذ سيف الدين مختار، أو تأكيداً لما أثبته الدكتور علي بحر الدين دينار، بل آثر الارتقاء بأدبيات الحوار، ووضعها في نصاب تاريخ أرفع، يقوم على تقديم مقاربة، تهدف إلى نفض الغبار الذي ران على حقيقة العلاقات الوطيدة التي كانت قائمة بين سلاطين الفور والأراضي المقدسة، وإسهامات أولئك السلاطين في ترقية خدمات الحرمين الشريفين، وإرسال "صُرَّة دارفور" على محمل مشهود إلى أم القرى ويثرب. وتُؤسس مفردات هذه المقاربة على منهج تاريخي يقضي باستقصاء المعلومات الأولية من مظانها الأرشيفية والمكتبية، ثم تحليلها في منظومة الواقع التاريخي الذي تشكلت فيه، والظروف المحلية والإقليمية التي أحاطت بعملية صياغتها عبر الزمان والمكان.



الصُرَّة والكسوة والمحمل

الصُرَّة والكسوة والمحمل هي مصطلحات متداولة في أدبيات الحج، ومتداخلة مع بعضها بعضاً، لأن المحمل يعني ضمناً حمل كسوة الكعبة وصُرَّة العاملين فيها إلى الحجاز، وتُستخدم الكسوة أحياناً كمصطلحٍ جامعٍ لكسوة الكعبة المطهرة وصُرَّة أم القرى ويثرب، ويُخصص أحياناً جُعلٌ من الصُرَّة لتجهيز كسوة الكعبة. إذاً التعامل مع هذه المصطلحات يحتاج إلى توطين دقيق في الإطار التاريخي الذي نتعامل معه، دون تعميم يفضي إلى خلط في الفهم، ينتج عنه إسقاط وقائع الحاضر، بقصد أو دون قصد، في مجريات الحدث التاريخي، فيعكر صفوها، وبذلك يضحى الميز بين الحقيقة والخيال ضرباً من المستحيل. وتحقيقاً لموضوعية العرض وتناول الأحداث التاريخية التي نحن بصدد الكتابة عنها يضحى توطين هذه المصطلحات في منظومتها التاريخية ضرورة ملحة لفهم الإسهام الذي حققه سلاطين دارفور في مجال التواصل مع الحجاز ومقدساته، دون أن نعرضها مجردةً من واقعها التاريخي والظروف التي أحاطت بعملية تشكيلها وتخلُّقِها.

تحدثنا المصادر التاريخية المتواترة أن إرسال صُرَّة الكعبة المشرفة إلى البيت الحرام كان أمراً مألوفاً في جزيرة العرب قبل مجيء الإسلام، ولكن هذه المسألة أخذت شكلها المؤسسي في عهد الخلافة الأموية (40-132 ﻫ/ 661-570 م)، التي خصصت أوجه صرف الصُرَّة إلى العاملين في الحرمين الشريفين، وإصلاح طرق الحج، وصيانة الأماكن المقدسة. وتعني الصُرَّة بهذا المفهوم الهدايا النقدية والعينية التي كان يرسلها الخلفاء الأمويون إلى مكة والمدينة لتغطية المصروفات الخدمية للحرمين الشريفين ورواتب العاملين فيهما. وبعد الأمويين، طوَّر العباسيون (132-655 ﻫ/ 750-1258 م)، والفاطميون (358-566 ﻫ/ 969-1171 م)، والأيوبيون (566-647 ﻫ/ 1171-1250 م)، والمماليك (647-922 ﻫ/ 1250-1517 م)، هذه السنة الحسنة إلى أن استقر الأمر في يد سلاطين الدولة العثمانية (698-1342 ﻫ/ 1299-1924 م)، الذين واظبوا على إرسال صُرَّة الكعبة إلى الحجاز كل عام في موسم الحج، وكانت صررهم صُرراً مشهودة، تحملها مئات الجمال، وتحيط بها كتائب من الفرسان المدججين بالسلاح. وكانت محاملها تحوي كسوة الكعبة، وكثير من الهدايا العينية والنقدية ذات القيمة العالية المخصصة للفقراء، والشرفاء والسادة، وصيانة مرافق الحرمين الشريفين( 5). ويعود تاريخ أقدم وثيقة عثمانية في هذا الشأن إلى عام 800 ﻫ/ 1389 م، حين أرسل السلطان بايزيد الأول صُرَّة سلطانية "بمقدار 80 ألف قطعة ذهبية تنفق في مرافق الحرمين الشريفين، وتوزع على فقرائها، وأشرافها، وساداتها، وعلمائها( 6). وأُرسلت آخر صُرَّة عثمانية في عهد السلطان مراد عام (1335 ﻫ/ 1917 م)، إلا إنها لم تبلغ هدفها المنشود، بل عادت أدراجها إلى إستانبول نتيجة لهزيمة العثمانيين في الحرب العالمية الأولى وتدمير سلطانهم السياسي ونفوذهم الديني في بلاد الشام ومصر والحجاز(7).

أما المحمل فيرمز به إلى البعير الذي كان يحمل كسوة الكعبة ومستلزماتها، والطابور المرافق له من الجمال الأخرى التي كانت تحمل الماء وأمتعة الحجاج. وقد درجت العادة أن يكون المحمل تحت إمرة أمير الحج، ويرافقه حرس المحمل، وأمناء الصُرَّة، والأغوات الموفدون إلى الحرمين، وفيالق الحجيج المصاحبة لهم. وعند خروج المحمل كانت تُدق الطبول، وتُضرب الزمور، وتُرفع البيارق والأعلام، ويخرج كبار الأمراء، والجند، والعلماء، وعليَة القوم، والأهالي لتوديع أمير الحج والحجاج ومحملهم الميمون( 8).

وهنا يجب أن نفرق بين المحمل وكسوة الكعبة، فالكسوة هي الهدية السلطانية التي كانت تُحمل بداخلها المحمل، وهي في حد ذاتها مصنوعة من حرير مشجر، وموشى بالذهب، ومزين بآيات قرآنية. وتقديراً إلى أهميتها الدينية كانت الكسوة تُوضع على ظهر بعير أصهب، وداخل هودج مزركش يُعرف بالمحمل، قاعدته من صندوق مربع الشكل، وله قمة هرمية، تعلوها قبة فضية. وقد درج أهل السلطان على تذويقه بأبهى الزخارف والرسومات، والحرير الموشى بالذهب، والآيات القرآنية المنقوشة على جوانبه( 9).

لا يعني هذا المظهر العام لكسوة الكعبة ومحملها الشريف، كما يرى الدكتور علي دينار، أن العلاقة بين الاثنين كانت علاقة تلازمية، لأن هناك محامل كثيرة تأتي من بقاع الأرض المختلفة لا تحمل كسوة، ولكنها في الغالب الأعم تكون محمَّلةً بصُرَّة الحرمين الشريفين(10). وعند هذا المنعطف يجب أن لا ننظر إلى الكسوة باعتبارها أمراً دينياً صِرْفاً، لأن أمر إعدادها وإرسالها إلى الأرض المقدسة كان يحمل بعض الدلالات السياسية، لأن أهل السلطان وذوي الشوكة كانوا يحرصون على فضل تجديدها كل عام، لأنها في قاموسهم السياسي كانت تعني شارةً من شارات السيادة وشرعية قيادتهم للعالم الإسلامي. إذاً السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المضمار، هو: أين موقع سلاطين دارفور من هذا الزخم السياسي المصاحب لكسوة الكعبة، والفضل الديني الذي درج أهل السلطان والجاه في العالم الإسلامي أن يتباروا عليه في ذلك الزمن الذي كان حافلاً بالتحديات السياسية واستجابات الفعل السياسي المرافق لها؟

فضلا يتيع

التعديل الأخير تم بواسطة المحب المكي ; 22 Oct 2010 الساعة 05:09 PM
 
     
رد مع اقتباس