المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حكمة وشرحها


مكة روحي
04 Sep 2007, 01:01 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
هناك حكمة مهمة ، يقول ابن عطاء الله السكندري :

ربما أعطاك فمنعك ، وربما منعك فأعطاك "

كلام طيب ودقيق ، فقد تجد مثلاً بلادًا تنعم بغنى كبير ، ورفاهية كبيرة ، والأمور ميسرة إلى درجة مذهلة ، وكل شيء متوافر ، فهذه الدنيا العريضة هي في الحقيقة حجاب بين هؤلاء وبين الله ، وقد تجد مجتمعًا آخر في ضائقة ، وهذه المشكلات تكون لهم دافعًا كبيرًا إلى الله ! فالمجتمعات التي فيها قسوة وضعف ، وفقر وشدة تجد مساجدها ممتلئة ، ودروس العلم عامرة ، والناس ملتفتون إلى الله عز وجل ، فمن أدراك أن هذه الشدة التي ساقها الله لهؤلاء الناس هي سبب قربهم من الله ؟

وهناك رجلٌ عانى من أمراض كثيرةٍ طوال حياته ، فيبدو بساعة مناجاة لله بدأ في نوع من العتاب ، يقول : يا رب أنا لم أرتح يومًا في حياتي ، فما الحكمة من ذلك ؟


هكذا قال لي ، توفي رحمه الله ، قال : وقع في قلبي لولا هذا الحال لما كنت في هذا الحال ! فكل رجل له ظروف نشأ فيها ، وهذه الظروف هي أفضل شيء له ، ولولاها لما كان في هذه الأحوال التي ينعم بها ، وأحياناً ينشأ الولدُ يتيمًا، وليس معه ثمن طعام ، فيدرس ، فيأخذ أعلى شهادة ، فيتألق ويعيش حياة

وهناك رجل قوي وغني ، والابن ليس لديه الدافع ليدرس ، وكل شيء موجود ؛ سيارة وبيت ، وطعام ، وشرب ، ومال ، يموت الأب فيصبح ابنَه وراء الناس في المؤخرة ، فبربك هل اليُتم والفقر خيرٌ أم الغنى والدلال ؟ إنّ الغنى والدلال جعله في المؤخرة ، واليتم والفقر جعله في المقدمة ، أليس كذلك ؟ هذا معنى قول بن عطاء الله السكندري : ربما أعطاك فمنعك ، وربما منعك فأعطاك "

دع الأمر لله عز وجل ، واستسلم لقضائه ، وارضَ بما أنت فيه ، واقبَل واقعك، وقل : يا رب لك الحمد الذي أوجدتني ، ولك الحمد الذي أمددتني ، ولك الحمد الذي هديتني ، "ربما أعطاك فمنعك وربما منعك فأعطاك "، ويوجد آباء ليسوا حكماء في تربية أولادهم ، فيعطونهم كلَّ شيء ، وهذا العطاء غير المعقول وغير المدروس وغير الحكيم سببُ حرمان الأولاد من مستقبل زاهر ، ويوجد آباء بالعكس ، في معاملتهم قسوة ظاهرة على أولادهم ، وهذه القسوة الظاهرة سبب تألق الأولاد في مستقبلهم !


ويوجد حكمة متعلقة بالحكمة السابقة : قال :
"متى فتح لك باب الفهم في المنع ، عاد المنع عين العطاء" ،

وينبغي لك أنْ توقن أنّ الأشياء التي حُرِمتَ منها لو كشف الغطاء لشكرت الله على حرمانك منها ! وهذا هو الإيمان ، الإيمان معه راحة .
وإخواننا الأطباء يذكرون لي أنه كلما تقدم العلم الطبي يكتشف أن وراء معظم الأمراض الشدة النفسية ، فالقلق والخوف والندم ، ومشاعر الأسى كلها وراء أكثر الأمراض ، وأما الذي يرضى عن الله عز وجل فقدْ حقق أول شرط في الصحة النفسية ، وبالتالي للصحة الجسمية .

"متى فتح لك باب الفهم في المنع ، عاد المنع عين العطاء " ، ولذلك فالمشكلة أن المصيبة تقع ، والعبرة لا أن تتأكد من وقوعها ، فوقوعها سهل ، فأحياناً يقع زلزال ، وتتناقل وكالات الأنباء أخبار هذا الزلزال ، ويذاع في كل إذاعة ، وينشر في كل صحيفة ، ويُرى في كل الأخبار المصورة ، فهل العبرة أن ترى حوادث الزلزال ، أم أن تفهم حكمة الزلزال ؟ العبرة أن تفهم الحكمة ، والبطولة لا أن تتأكد من وقوع مصيبة ، إنما البطولة أن تعرف الحكمة من هذه المصيبة،

فمِن حكمة المصيبة ، إذا آمن الإنسان بالله يهدي قلبه

ويقول ابن عطاء الله السكندري أيضاً :"إن أردت أن يكون لك عز لا يفنى فلا تستعزن بعز يفنى".

وقد ذكرت أن الإنسان عنده دوافع ، فالدافع إلى الطعام هذا أساسي لبقاء الفرد ، والدافع إلى الطرف الآخر من الجنس لبقاء النوع ، ولكن عنده دافع آخر إلى تأكيد الذات في التفوق إلى بقاء الذكر ، هذا الدافع الثالث لك أن تسميه دافع العزة :

فاجعل لربك كل عزك يستقر ويثبت فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت
ومستحيل ثم مستحيل أن توالي الله ثم لا يعزك ، والذين وقفوا مع النبي عليه الصلاة والسلام هم في أعلى عليين ، والذين حاربوه وكفروا به هم في أسفل السافلين ، فالصحابة الكرام الأبطال الأعلام ، وكبار القادة المسلمون ، وكبار علماء المسلمين ، يذكرهم المسلمون في اليوم ملايين المرات ، أما الذين حاربوا الإسلام فيُذكَرون بأشنع الصفات ، فمثلاً : أبو جهل هل يترحَّم أحد عليه ؟ مستحيل ، قاتله الله ، وأبو لهب ، قاتله الله ، وسيدنا الصديق رضي الله عنه ! خلال ألف وأربعمائة عام كلما ذكره مسلم ترضَّى عنه ، فماذا فعل ؟ لقد وقف مع النبي ،

فهل مِن المعقول إذا انتقدت امرأتان جهة محترمة في بلد ، فيُعلَن استنفار في القوى الجوية، والقوى البرية ، والبحرية والشرطة ؟ امرأتان "وإن تظاهرا عليه" وبعدها "فإن الله هو مولاه" حسناً "وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير" .
لا يتناسب وامرأة ضعيفة أن يكون الرد على هذا التظاهر : الله وجبريل ، وصالح المؤمنين والملائكة ، فالعلماء قالوا : هذه الآية معناها : أنه لمجرد أن تفكر في معاداة أهل الحق ، ومعاداة الدين ، وفي إطفاء نور الله ، اعلم من هو الطرف الآخر ! أنت بأي بلد تعرف هذا الإنسان له صلة بأعلى جهة هل تسبب له مشكلة في الطريق ؟ لا بل تريد السلامة منه ، وتعرف من وراءه، اليوم شرطي عادي لا تستطيع أن تسبب له مشكلة لأنه يرتدي بدلة رسمية ، والدولة كلها وراءه ، وهذا شيء طبيعي في كل بلد ، فإنه يمثل النظام ، فإذا أنت أهنته أهنت النظام والجميع معه ضدك، وهذا في حياتنا اليومية هكذا ، فإذا أراد الإنسانُ أن ينال من الدين ، يا لطيف كم هو أحمق ، لأن الطرف الآخر هو الله ، والطرف الآخر حياته بيده، و قلبه بيده ، ودسّامات قلبه بيده، وكليتاه بيده ، يوجد عند الله أمراض وبيلة ، والله عنده قهر ، وعنده خسف .


فربنا عز وجل عنده أشياء كثيرة ، فكلما كنت مؤمناً تأدبت مع الله كثيراً ، وإن أردتَ أن يكون لك عز لا يفنى فلا تستعزن بعز يفنى :
اجعل لربك كل عزك يستقر ويثبت فإن اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت !
وآخر حكمة : "العطاء من الخلق حرمان ، والمنع من الله إحسان "
أحياناً ينالك من إنسان فاسق فاجر عطاء ، فتميل له ميلاً شديدًا ، وبهذا الميل تجامله ، وتنافق له أحياناً، وتسترضيه ، وهو ليس أهلاً لذلك ، فحجبك عن الله ، فعطاء هذا الإنسان سبب حرمانك من رحمة الله ، وهناك إنسان له قريب غني فجعله يعمل عنده ، وعنده فتيات وسكرتيرات، وعنده بضاعة محرمة ، إذْ يبيع خمورًا مثلاً ، وخصص له معاشًا ثلاثين ألفًا مثلاً ! فهذا القريب الغني فاسق ، وعندما أعطاه راتبًا كبيرًا ، وأعطاه تعويضات، وكل حياته في المعاصي ، والمكتب كله فسق وفجور ، والبضاعة كلها محرمة ، ومَالَ معه ، فهذا الميل حرمه من عطاء الله عز وجل ، وهذا معنى العطاء من الخلق حرمان ، والمنع من الله إحسان .
وأحياناً يمنعك من شيء فتتذلل له ، وترجوه ، وتقبل عليه ، فالعبرة أنه أصبح بينكما اتصال.

يروى أن إنسانًا خطب فتاة اسمها وصال ، ولها والد شيخ ، فقال له : المهر أن تلازم دروسي ، فوافق لأنه يريدها ، لا مشكلة ، فقال : سآتي إلى المجلس ، ويبدو أنه سُرَّ بدروسه ، وتألق فنسي وصال ! فمرة قالت له : أين الوعد ؟ قال لها : يا وصال كنت سبب الاتصال ! فلا تكوني سبب الانفصال ! وأحياناً يستخدم الله عز وجل حاجاتك للتقريب لأرضك ، حاجة طارئة يجعلها بمسجد .


وأخ كريم دعاني مرة إلى تناول طعام الغداء ، وأنا لا أعرفه ، قلت له : ما قصتك مع هذا المسجد ؟ قال لي : أنا لي مع رجل دين : وإنه يحضر عندك يوم الجمعة ، فجئت لأطالبه بالدين، فدخلت المسجدَ وجلست ، فرأيت أن ثمَّة درسًا ، وليس من المعقول أن أطالبه قبل الدرس ، أحضر الدرس أولاً ، ثم أطالبه ، والدرس أعجبني ، فلم أتركه منذ ثماني سنوات ! فقلت : سبحان الله ، جاء فقط ليطالب إنسانًا بدين في هذا المسجد ، فلزم الدروس ثمانية سنوات ! وأخ ثانٍ قال لي : أنا أدرس في الجامع الأموي ، وأمر أمام بعض الدروس فأُسر وأسمع ، وسبب هدايتي أنني نويت أن أدرس بالأموي ! ويوجد فيه بعض دروس العلم ، وفي أثناء سماع بعض الدروس تأثّر، فأسلم !

كناز العلم
04 Sep 2007, 01:39 PM
http://forum.makkawi.com/imgcache/14688.imgcache (http://qatar2.com/upload/)

مكة روحي
05 Sep 2007, 11:05 AM
شاكر مرورك العاطر يا كناز العلم

عاشق تراب مكه
05 Sep 2007, 10:56 PM
جزاك الله خير

موضوع ذو فائدة كبيرة ...

أسمحلي بنقله لقسم مجلس الخير للتخصص ..